والثاني: الرياء، وإياه عنى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما روى شداد بن أوس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"أمران أتخوَّفهما على أمتي من بعدي: الشرك، والشهوة الخفية."
ألا إنهم لا يعبدون شمسًا ولا قمرًا، ولكنهم يراءون"."
فقلت: أشركٌ ذلك؟ قال:"نعم"، وإياه عنى تعالى بقوله: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) الآية.
«إن قيل» : لِمَ ذكر ههنا تسعة أصناف وأمر بالتوفُّر عليهم.
وذكر في سورة البقرة: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ)
وقال بعده: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) ؟
قيل: إن المذكور أولاً في سورة البقرة ما أمر به بني إسرائيل.
وأما قوله: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) فهو أمر بإيتاء المال الذي يقتضيه البر، لأنه قال: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) وهذه الآية حتّ على فعل الإِحسان كلّه، نصرة كان أو صلة.
وقيل: إن قوله: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) عنى المال كله على سبيل التبرُّع.
وذلك إذا طلب الإِنسان غاية البر، ولهذا قال الشعبي: ما بَقَّى قول الله: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى) على أحد شيئا من المال، ولإِرادة إخراج المال كلّه على التبرُّع خصَّ الزكاة بعده بالذكر، فقال: (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ) .
وأراد بهذه الآية ما يحصل للإِنسان به تمام العبادة وفعل الإِحسان، وذلك لعبادة الله المتعرية عن الرياء، ومراعاة هؤلاء بالإِحسان.
«فإن قيل» : لم قدم الجار على ابن السبيل وله حق واجب في المال؟
قيل: ابن السبيل الذي له حقٌّ في المال هو الفقير، ولم يقصده بهذه
الآية، وإنما المقصود تفقُّد المذكورين على سبيل التبرُّع، وحقُّ
الجار أوكد من حقِّ الغُرباء. ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال:"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يورثه"؟