مثّل الزمخشري لقوله تعالى:"أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى"بقولهم: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه ، وأعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه. فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى. وتساءل التفتازاني فِي حواشيه على الكشاف فقال:"ومما ينبغي أن يتعرض له وجه تكرّر"إحداهما"ولا خفاء فِي أنه ليس من وضع المظهر موضع المضمر ، إذ ليست المذكورة هي المناسبة إلا أن يجعل"إحداهما"الثانية فِي موقع المفعول ، ولا يجوز تقدم المفعول على الفاعل فِي موضع الإلباس. نعم يصح أن يقول:"فتذكر الأخرى"فلا بد للعدول من نكتة". ولم يتعرض التفتازاني للنكتة ، وترك قارئه فِي حيرة من أمره. على أن الدماميني ذكر فِي شرح المغني أن المقصود هو كون التذكير من إحداهما للأخرى كيفما قدّر لا يستقيم إلا كذلك ، ألا ترى أنه لو قيل: أن تضلّ إحداهما فتذكرها الأخرى ، وجب أن يكون ضمير المفعول عائدا على الضالة ، فيتعيّن لها ، وذلك مخل بالمعنى المقصود ، لأن الضالة الآن فِي الشهادة قد تكون هي الذاكرة لها فِي زمان آخر ، فالمذكرة حينئذ هي الضالة ، فإذا قيل: فتذكرها الأخرى لم يفد ذلك لتعيّن عود الضمير إلى الضالة. وإذا قيل: فتذكر إحداهما الأخرى ، كان مبهما فِي واحدة
منهما. فلو ضلت إحداهما فذكّرتها الأخرى فذكرت كان داخلا ، ثم لو انعكس الأمر والشهادة بعينها فِي وقت آخر اندرج أيضا تحته لوقوع قوله"فتذكر إحداهما الأخرى"غير معيّن ، فظهر الوجه الذي لأجله عدل عن"فتذكرها"إلى"فتذكر إحداهما الأخرى".
وفي النفس من هذا التقرير ما لا يحتمله هذا الكتاب.
[سورة البقرة (2) : آية 283]