هذه جملة مستأنفة: بيَّن فيها الله - سبحانه وتعالى - يُسْرَ التكاليف على عباده، فقد ذكرها سبحانه بعد تلقي عباده لتكاليفه بالطاعة والقبول.
والمعنى: أنه تعالى، جرت سنته: ألا يكلف نفسًا من النفوس، إلا ما تطيقه وتتسع له قدرتها. بل هو في الحقيقة دون وسعها وطاقتها. فالصلاة: كلفنا منها خمسًا في اليوم والليلة، والطاقة تتسع لأكثر منها.
والصيام: كلفنا منه شهر رمضان، والطاقة البشرية تتسع لأكثر منه. وهكذا. وإذا كانت سنته - تعالى - ألا يكلفنا إلا ما نطيقه، فإن ذلك يدل على أنه لا ي 4 كلف بالمحال: فضلا منه وكرم، وحكمة ورحمة.
(لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) :
بعد أن بين الله - تعالى - أن تكاليفه دائمًا في وسعنا، وبقدر طاقتنا، عقب ذلك ببيان أن فعلها، تعود منفعته على فاعليها، وأن تركها تعود مضرته على تاركيها دون غيرهم، ترغيبًا للمكلفين في المحافظة عليها، وتحذيرًا لهم من الإخلال بها، أن للنفس ثواب ما كسبت من الطاعات، وعليها عقاب ما اكتسبت من المعاصي.
وعبر بالكسب مع الطاعة، والاكتساب مع المعصية، من باب التلوين في نمط الكلام، كما في قوله تعالى:"فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا".
(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا) :
شروع في بقية دعوات العباد، بعد أن تخللها بيان أن الله لا يكلفهم إلا بما يطيقون.
والمعنى: هذا الدعاء من إرشاد الله بعباده، فهو على تقدير الأمر منه - سبحانه - كما نقله أبو حيان في البحر، عن الحسن:
أي: قولوا في دعائكم: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا) :
وظاهر الآية يفيد: أن من ترك واجبًا، أو فَعَلَ محرمًا، نسيانًا، أو خطأً، أي جهلاً بالحكم الشرعي، يؤَاخذ عليه، ولهذا يعلمنا الله - تعالى - أن ندعوه ألا يؤَاخذنا على ذلك، ولكن هذا يخالف قوله - صلى الله عليه وسلم:
"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
كما أننا لو أُوخذنا بما نسينا أو أخطأنا، لكنا مكلفين وقت النسيان أو الخطأ، وذلك لا يصح، لأنه تكليف بما ليس في وسعنا، والله تعالى يقول: