وهكذا يتصور المسلم رحمة ربه وعدله فِي التكاليف التي يفرضها الله عليه فِي خلافته للأرض ؛ وفي ابتلائه فِي أثناء الخلافة ؛ وفي جزائه على عمله فِي نهاية المطاف. ويطمئن إلى رحمة الله وعدله فِي هذا كله ؛ فلا يتبرم بتكاليفه ، ولا يضيق بها صدراً ، ولا يستثقلها كذلك ، وهو يؤمن أن الله الذي فرضها عليه أعلم بحقيقة طاقته ، ولو لم تكن فِي طاقته ما فرضها عليه. ومن شأن هذا التصور - فضلاً عما يسكبه فِي القلب من راحة وطمأنينة وأنس - أن يستجيش عزيمة المؤمن للنهوض بتكاليفه ، وهو يحس أنها داخلة فِي طوقه ؛ ولو لم تكن داخلة فِي طوقه ما كتبها الله عليه ؛ فإذا ضعف مرة أو تعب مرة أو ثقل العبء عليه ، أدرك أنه الضعف لا فداحة العبء! واستجاش عزيمته ونفض الضعف عن نفسه وهمّ همة جديدة للوفاء ، ما دام داخلاً فِي مقدروه! وهو إيحاء كريم لاستنهاض الهمة كلما ضعفت على طول الطريق! فهي التربية كذلك لروح المؤمن وهمته وإرادته ؛ فوق تزويد تصوره بحقيقة إرادة الله به فِي كل ما يكلفه.
ثم الشطر الثاني من هذا التصور:
{لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} .