حث الله تعالى الأمهات على إرضاع الأبناء ، وحدّد مدة الرضاع بعامين كاملين ، لأن هذه المدة يستغني بها الطفل عن ثدي أمه ، ويبدأ بالتغذي بعدها عن طريق تناول الطعام والشراب . . وليس هناك لبن يعادل لبن الأم ، فهو أفضل غذاء باتفاق الأطباء فالولد قد تكوّن من دمها فِي أحشائها ، فلما برز إلى الوجود تحوّل الدم إلى لبنٍ يتغذى منه ، فهو اللبن الذي يلائمه ويناسبه لأنه قد انفصل من الأم ، وقد قضت الحكمة الإلهية أن تكون حالة لبن الأم فِي التغذية ملائمة لحال الطفل بحسب درجات سنه ، فإذا أرضعته مرضع لضرورة وجب التدقيق فِي صحتها ، ومعرفة أخلاقها وطبائعها ، لأن لبنها يؤثر فِي جسم الطفل وأخلاقه وآدابه ، إذ هو يخرج من دمها ويمتصه الولد ، فيكون دماً له ينموا به اللحم ، ويُنشز العظم ، فيؤثر فيه جسمياً وخلقياً ، وقد لوحظ أن تأثير انفعالاتها النفسية والعقلية أشد من تأثير صفاتها البدنية فيه ، فما بالك بآثار عقلها وشعورها وملكاتها النفسية ؟!
والأم حين ترضع ولدها لا ترضعه اللبن فحسب ، بل ترضعه العطف والرحمة والحنان ، فينشأ مجبولاً على الرحمة ، محباً للخير ، وعلى العكس حال أولئك الذين يحرمون عطف وحنان أمهاتهم ، يكونون معقّدين ، وتفتعل فِي نفوسهم نوازع القسوة والشر والانتقام ، وقد فطن علماء التربية والتهذيب فِي الأمم الراقية إلى هذا الأمر ، حتى كان نساء القياصرة يرضعن أولادهن بأنفسهن ، ولا يرضين تسليمهم إلى المراضع .