وَقَدْ حُكِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ النَّفَقَةَ إلَّا عَلَى الْأَبِ لِلِابْنِ وَعَلَى الِابْنِ لِلْأَبِ ، وَلَا يُوجِبُهَا لِلْجَدِّ عَلَى ابْنِ الِابْنِ.
وَهُوَ قَوْلٌ خَارِجٌ عَنْ أَقَاوِيلِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ جَمِيعًا لَا نَعْلَمُ عَلَيْهِ مُوَافِقًا ؛ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْكِتَابِ يَرُدُّهُ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} إلَى قَوْلِهِ {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} وَالْجَدُّ دَاخِلٌ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَبٌ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ} وَهُوَ مَأْمُورٌ بِمُصَاحَبَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَلَيْسَ مِنْ الصُّحْبَةِ بِالْمَعْرُوفِ تَرْكُهُ جَائِعًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى سَدِّ جَوْعَتِهِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} فَذَكَرَ بُيُوتَ هَؤُلَاءِ
الْأَقْرِبَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ بَيْتَ الِابْنِ وَلَا ابْنِ الِابْنِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {مِنْ بُيُوتِكُمْ} قَدْ اقْتَضَى ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ: {أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك} فَأَضَافَ إلَيْهِ مِلْكَ الِابْنِ كَمَا أَضَافَ إلَيْهِ بَيْتَ الِابْنِ وَاقْتَصَرَ عَلَى إضَافَةِ الْبُيُوتِ إلَيْهِ.