فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى غُلَامًا بَعْدَ الْبُلُوغِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ خَيَّرَ غُلَامًا وَقَالَ: (لَوْ قَدْ بَلَغَ هَذَا يَعْنِي أَخًا لَهُ صَغِيرًا لَخَيَّرْتُهُ) .
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ كَبِيرًا.
وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ {أَنَّ امْرَأَةً خَاصَمَتْ زَوْجَهَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَتْ: إنَّهُ طَلَّقَنِي وَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْزِعَ مِنِّي ابْنِي وَقَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَهِمَا عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ يُحَاجُّنِي فِي ابْنِي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا غُلَامُ هَذِهِ أُمُّك وَهَذَا أَبُوك فَاخْتَرْ أَيَّهمَا شِئْت فَأَخَذَ الْغُلَامُ بِيَدِ أُمِّهِ} ؛ وَقَوْلُ الْأُمِّ (قَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ كَبِيرًا.
وَقَدْ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ أَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ لِلصَّغِيرِ فِي سَائِرِ حُقُوقِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَبَوَيْنِ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: (لَا يُخَيَّرُ الْغُلَامُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَارُ إلَّا شَرَّ الْأَمْرَيْنِ) .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَارُ اللَّعِبَ وَالْإِعْرَاضَ عَنْ تَعَلُّمِ الْأَدَبِ وَالْخَيْرِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَبَ أَقْوَمُ بِتَأْدِيبِهِ وَتَعْلِيمِهِ ، وَأَنَّ فِي كَوْنِهِ عِنْدَ الْأُمِّ ضَرَرًا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يُنَشَّأُ عَلَى أَخْلَاقِ النِّسَاءِ.