وأظهر عاصم وقوم النون في قوله تعالى: {مَنْ رَاقٍ} واللام في قوله:"بَلْ رَانَ"لئلا يشبه مَرَّاق وهو بائع المَرْقة ، وبَرَّان في تثنية البرّ.
والصحيح ترك الإظهار ، وكسرة القاف في {مَنْ رَاقٍ} وفتحة النون في"بَلْ رَانَ"تكفي في زوالِ اللبس.
وأمثل مما ذُكِر: قصد الوقف على"مَنْ"و"بَلْ"، فأظهرهما ؛ قاله القشيريّ.
قوله تعالى: {وَظَنَّ} أي أيقن الإنسان {أَنَّهُ الفراق} أي فراق الدنيا والأهل والمال والولد ، وذلك حين عاين الملائكة.
وقال الشاعر:
فرَاقٌ ليس يُشبهُهُ فِرَاقُ ...
قد انقطع الرجاءُ عن التَّلاَقِ
{والتفت الساق بالساق} أي فاتصلت الشدّة بالشدّة ؛ شدّة آخر الدنيا بشدة أوّل الآخرة ؛ قاله ابن عباس والحسن وغيرهما.
وقال الشعبي وغيره: المعنى التفت ساقا الإنسان عند الموت من شدّة الكرب.
وقال قتادة: أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب إحدى رجليه على الأخرى.
وقال سعيد بن المسيِّب والحسن أيضاً: هما ساقا الإنسان إذا التفّتا في الكفن.
وقال زيد بن أسلم: التفت ساق الكفن بساق الميت.
وقال الحسن أيضاً: ماتت رجلاه ويبست ساقاه فلم تحملاه ، ولقد كان عليهما جوّالاً.
قال النحاس: القول الأوّل أحسنها.
وروى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: {والتفت الساق بالساق} قال: آخرَ يوم من الدنيا وأوّل يوم من الآخرة ، فتلتقي الشدّة بالشدّة إلا من رحمه الله ؛ أي شدّة كرب الموت بشدّة هول المطلع ؛ والدليل على هذا قوله تعالى: {إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق} وقال مجاهد: ببلاء ببلاء.
يقول: تتابعت عليه الشدائد.
وقال الضحاك وابن زيد: اجتمع عليه أمران شديدان: الناس يُجهِّزون جسده ، والملائكة يُجهِّزون رُوحه ، والعرب لا تذكر الساق إلا في المِحن والشدائد العظام ؛ ومنه قولهم: قامت الدنيا على ساق ، وقامت الحرب على ساق.
قال الشاعر:
وقامِت الحربُ بنا على ساق ...