وقد ذكر أبو داود في مراسيله السبب الذي ترخّصوا لأنفسهم في ترك سماع الخطبة ، وقد كانوا خليقاً بفضلهم ألا يفعلوا ؛ فقال: حدّثنا محمود بن خالد قال حدّثنا الوليد قال أخبرني أبو معاذ بكر ابن معروف أنه سمع مقاتل بن حَيّان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين ، حتى كان يوم جمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، وقد صلّى الجمعة فدخل رجل فقال: إن دِحْيَة بن خليفة الكَلْبي قدم بتجارة ، وكان دِحيَة إذا قدم تلقّاه أهله بالدِّفاف ؛ فخرج الناس فلم يظنّوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء ؛ فأنزل الله عز وجل: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا} .
فقدّم النبيّ صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخّر الصلاة.
وكان لا يخرج أحد لرُعاف أو أحداث بعد النّهي حتى يستأذن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام ؛ فيأذن له النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم يشير إليه بيده.
فكان من المنافقين من ثَقُل عليه الخطبة والجلوس في المسجد ، وكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه مستتراً به حتى يخرج ؛ فأنزل الله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً} [النور: 63] الآية.
قال السُّهَيْليّ: وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بأصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يوجب أن يكون صحيحا.
وقال قتادة: وبلغنا أنهم فعلوه ثلاث مرات ؛ كل مَرّة عِير تَقْدُم من الشام ، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة.
وقيل: إن خروجهم لقدوم دِحْيَة الكَلْبي بتجارته ونظرهم إلى العِير تَمُرّ ، لَهْوٌ لا فائدة فيه ؛ إلا أنه كان مما لا إثم فيه لو وقع على غير ذلك الوجه ، ولكنه لما اتصل به الإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والانفضاض عن حضرته ، غَلُظ وكَبُر ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللّهو ما نزل.