قوله تعالى: {انْفَضُّوا إِلَيْهَا} أي تفرقوا عنك، كقوله: {لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] قال المبرد: انفضوا إليها، الضمير للتجارة.
وقال الزجاج، والمبرد: ولو كان انفضوا إليه وإليهما جاز كما جاز انفضوا إليها، لأن الشيئين إذا عطف أحدهما على الآخر ومعناهما واحد فاردد الخبر إليهما أو إلى أحدهما، أيهما شئت فإن الآخر داخل معه.
وهذا من كلام العرب المستقيم أن يذكروا الشيئين اللذين يرجعان إلى معنى مما يطلب فيهما فيردوا الخبر إلى أحدهما استغناء واختصارًا، كقوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} [البقرة: 45] ، {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا} [التوبة: 34] . ونحو هذا قال الفراء، وزاد فقال: وأجود من ذلك أن تجعل الراجع من الذكر للآخر من الاسمين وإنما اختير هاهنا الرجوع إلى التجارة لأنها كانت أهم إليهم، وهم بها أسر منهم بضرب الطبل، لأن الطبل إنما دل عليها، فالمعنى كله لها.
قوله تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} أجمعوا على أن هذا القيام كان في الخطبة، وهذا دليل على أن من أجاز القعود في الخطبة للجمعة.
قال جابر بن سمرة: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب إلا وهو قائم فمن حدثك أنه خطب وهو جالس فكذبه، وسئل عبد الله: أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائمًا أو قاعدًا؟ فقرأ (وتركوك قائمًا) ، ولذلك سئل ابن سيرين، وعلقمة، فقرأ هذه الآية.
وروي أن كعب بن عجرة دخل المسجد وعبد الرحمن يخطب قاعدًا فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدًا، وقال الله: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا} وتلا الآية.
وقال الشعبي: أول من خطب قاعدًا معاوية.
قوله: {قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ} قال مقاتل: يعني من الطبل والصفق {وَمِنَ التِّجَارَةِ} التي جاء بها دحية.