ثم ذم الله تعالى اليهود الذين لم يعملوا بالتوراة ذمّا آخر مناسبا للذم الأول، لأن شأن من لم يعمل بالكتاب أن يحب الحياة، فقال:
قُلْ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي قل أيها الرسول: أيها اليهود إن كنتم تزعمون أنكم أولياء الله وأحباؤه من دون الناس، وأنكم على هدى، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه على ضلالة، فاطلبوا الموت لتصيروا إلى الكرامة في زعمكم، وادعوا بالموت على الضال من الفئتين، إن كنتم صادقين في هذا الزعم، فإن من علم أنه من أهل الجنة أحب الخلوص من هذه الدار.
وقد ذكرت هذه المباهلة (الملاعنة) وتحدي اليهود في قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة 2/ 94] . كما ذكرت مباهلة النصارى في قوله سبحانه: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، فَقُلْ: تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ، وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ، وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ، فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [آل عمران 3/ 61] . ومباهلة المشركين في قوله عز وجل: قُلْ: مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا [مريم 19/ 75] .
أخرج الإمام أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لعنه الله: إن رأيت محمدا عند الكعبة، لآتينه حتى أطأ على عنقه،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا، ولا مالا» .
ثم كشف الله حقيقة أمر اليهود الماديين الذين يحبون الحياة ويكرهون الموت، وأنهم لن يتمنوه أبدا لسوء أفعالهم، فقال: