وهذا قولُ الثوري وأبي حنيفةَ وأصحابهِ ، إلحاقًا لهم باهلِ القرَى ؛ فإنَّ
الجمعةَ لا تقامُ عندَهم في القرَى.
وقال أكثرُ أهلِ العلم: تلزمُهم الجمعةُ مع أهلِ المصرِ أو القريةِ ، مع القربِ
دونَ البعدِ.
ثم اختلفُوا في حذَ ذلك:
فقالتْ طائفة: المعتبرُ: إمكانُ سماع النداءِ ، فمن كان من موضع الجمعةِ
بحيثُ يمكنُه سماعُ النداءِ لزمَه ، وإلا فَلا. هذا قولُ الشافعيِّ وأحمدَ
وإسحاقَ.
واستدلُّوا: بظاهرِ قولِ اللهِ تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .
ورُوي عن عبدِ اللَهِ بنِ عَمرو بنِ العاصِ وسعيدِ بنِ المسيبِ وعَمرِو بن
شعيب.
ورُويَ عن أبي أمامةَ الباهليِّ - معناه.
وخرجَ أبو داود من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ ، عنِ النبيِّ
-صلى الله عليه وسلم -:
"الجمعةُ علَى مَن سمِعَ النداء"
ورُويَ موقوفًا ، وهو أشبهُ.
وروَى إسماعيلُ ، عن عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ اللَّهِ ، عن محمدِ بنِ عمرو بنِ
عطاءٍ ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ ، عن أبيه - يرفعُه - ، قال:"لينتهينَّ أقوام يسمعونَ النداءَ يومَ الجمعةِ ، ثم لا يَشهدُونَها ، أو ليطبعن اللَهُ على قلوبِهم ، وليكونُنَّ من الغافلين ، أو ليكونُنَّ من أهلِ النارِ".
عبدُ العزيزِ هذا ، شاميّ تكلَّموا فيه.
وقالت طائفةٌ: تجبُ الجمُعةُ على مَن بينَه وبينَ الجمعةِ فرسخٌ ، وهو ثلاثةُ
أميالٍ ، وهو قولُ ابنِ المسيبِ والليثِ ومالك ومحمدِ بنِ الحسنِ ، وهو روايةٌ
عن أحمدَ.
ومِن أصحابِنا مَن قالَ: لا فرقَ بينَ هذا القولِ والذي قبلَه ؛ لأن الفرسخَ
هو منتهَى ما يسمعُ فيه النداء - غالبًا - ؛ فإن أحمدَ قالَ: الجمعة على من
سمع النداءَ ، والنداءُ يسمعُ من فرسخ ، وكذلكَ رواه جماعةٌ عن مالكٍ.
فيكونُ هذا القولُ والذي قبلَهُ واحدًا.