الثَّانِي: مَقْتُ الشُّحِّ. فَإِنَّهُ إِذَا مَقَتَهُ وَأَبْغَضَهُ الْتَزَمَ الْإِيثَارَ. فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّهُ لَا خَلَاصَ لَهُ مِنْ هَذَا الْمَقْتِ الْبَغِيضِ إِلَّا بِالْإِيثَارِ.
الثَّالِثُ: الرَّغْبَةُ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَبِحَسَبِ رَغْبَتِهِ فِيهَا: يَكُونُ إِيثَارُهُ. لِأَنَّ الْإِيثَارَ أَفْضَلُ دَرَجَاتِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ إِيثَارُ رِضَا اللَّهِ عَلَى رِضَا غَيْرِهِ]
قَالَ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: إِيثَارُ رِضَا اللَّهِ عَلَى رِضَا غَيْرِهِ. وَإِنْ عَظُمَتْ فِيهِ الْمِحَنُ. وَثَقُلَتْ فِيهِ الْمُؤَنُ، وَضَعُفَ عَنْهُ الطَّوْلُ وَالْبَدَنُ.
إِيثَارُ رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِهِ: هُوَ أَنْ يُرِيدَ وَيَفْعَلَ مَا فِيهِ مَرْضَاتُهُ، وَلَوْ أَغْضَبَ الْخَلْقَ. وَهِيَ دَرَجَةُ الْأَنْبِيَاءِ. وَأَعْلَاهَا لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ. وَأَعْلَاهَا لِأُولِي الْعَزْمِ مِنْهُمْ. وَأَعْلَاهَا لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ. فَإِنَّهُ قَاوَمَ الْعَالَمَ كُلَّهُ. وَتَجَرَّدَ لِلدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ. وَاحْتَمَلَ عَدَاوَةَ الْبَعِيدِ وَالْقَرِيبِ فِي اللَّهِ تَعَالَى. وَآثَرَ رِضَا اللَّهِ عَلَى رِضَا الْخَلْقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَلَمْ يَأْخُذْهُ فِي إِيثَارِ رِضَاهُ لَوْمَةُ لَائِمٍ. بَلْ كَانَ هَمُّهُ وَعَزْمُهُ وَسَعْيُهُ كُلُّهُ مَقْصُورًا عَلَى إِيثَارِ مَرْضَاةِ اللَّهِ، وَتَبْلِيغِ رِسَالَاتِهِ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَاتِهِ، وَجِهَادِ أَعْدَائِهِ. حَتَّى ظَهَرَ دِينُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ دِينٍ. وَقَامَتْ حُجَّتُهُ عَلَى الْعَالَمِينَ. وَتَمَّتْ نِعْمَتُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ. وَأَدَّى الْأَمَانَةَ. وَنَصَحَ الْأُمَّةَ. وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ. وَعَبَدَ اللَّهَ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ. فَلَمْ يَنَلْ أَحَدٌ مِنْ دَرَجَةِ هَذَا الْإِيثَارِ مَا نَالَ. صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنْ عَظُمَتْ فِيهِ الْمِحَنُ. وَثَقُلَتْ فِيهِ الْمُؤَنُ.