وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين ، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم إليهم.
الثانية: واختلف أيضاً هل هذه الآية مقطوعة مما قبلها أو معطوفة ؛ فتأوّل قوم أنها معطوفة على قوله: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} وأن الآيات التي في الحشر كلها معطوفة بعضها على بعض.
ولو تأملوا ذلك وأنصفوا لوجدوه على خلاف ما ذهبوا إليه ؛ لأن الله تعالى يقول: {هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحشر مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} إلى قوله {الفاسقين} فأخبر عن بني النضير وبني قَيْنُقاع.
ثم قال: {وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ولكن الله يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَآءُ} فأخبر أن ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لم يُوجف عليه حين خَلّوه.
وما تقدم فيهم من القتال وقطع شجرهم فقد كانوا رجعوا عنه وانقطع ذلك الأمر.
ثم قال: {مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} وهذا كلام غير معطوف على الأول.
وكذا {والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان} ابتداء كلام في مدح الأنصار والثناء عليهم ؛ فإنهم سلّموا ذلك الفيء للمهاجرين ؛ وكأنه قال: الفيء للفقراء المهاجرين ، والأنصار يحبون لهم لم يحسدوهم على ما صفا لهم من الفيء.
وكذا.
{والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} ابتداء كلام ؛ والخبر {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا} .
وقال إسماعيل ابن إسحاق: إن قوله {والذين تَبَوَّءُوا الدار} {والذين جَآءُوا} معطوف على ما قبل ، وأنهم شركاء في الفيء ؛ أي هذا المال للمهاجرين والذين تبوّءوا الدار.