وبمجرد الغسل يحل له كل شيء كان ممنوعًا منه بعد الجنابة من الصلاة ومس المصحف، فلم تلحقه نجاسة عند جماعه ولا بعد جماعه ولا قبل اغتساله، فهذه شريعتنا بسماحتها وطهارتها ويسرها؛ تضيء لمعتنقيها الطريق وتذلل لهم الصعاب، وتضع عنهم الإصر والأغلال التي وضعها الرهبان والأحبار من عند أنفسهم، وصدق الله حين قال: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} .
25 -شبهة: بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا.
نص الشبهة:
يقولون: في قوله -صلى الله عليه وسلم-:"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا"إن الإسلام بدأ ضعيفًا وسيعود ضعيفًا كما بدأ.
والرد من وجوه:
الوجه الأول: معنى الغربة لغةً، واستعمالاتها في السنة النبوية.
الوجه الثاني: ذكر الحديث، وبيان معناه.
الوجه الثالث: أقسام الغربة، وبيان أن كل قسم يعقبه تمكين.
الوجه الرابع: مبشرات بالنصر والتمكين للإسلام، وأن الدائرة على الكافرين.
وإليك التفصيل،
الوجه الأول: المعنى اللغوي.
مادة (غرب) مادة واسعة جدًّا، ذكر صاحب القاموس لأحد تصريفاتها (وهو الغَرْبُ) أربعة وعشرين معنى (1) ، واستدرك عليه شارح القاموس محمد مرتضى الزبيدي عشرة معان لم يذكرها، فصار مجموعها أربعة وثلاثين معنى.
وإذا كانت هذه المعاني لتصريف واحد، فما بالك بسائر ما يتفرع عن المادة؟! أما كلمة"الغربة"فتطلق على معانٍ عدة:
أ- منها النوى والبعد، يقال: اغترب غربة إذا بعد، ونوى غربة بعيدة.
ب- ومما يقرب من هذا المعنى النزوح عن الوطن والاغتراب، يقال: رجل غُرُب -بضم الغين والراء- وغريب: أي بعيد عن وطنه، والجمع: غرباء.
ج- ويقرب منهما: الغريب بمعنى أنه ليس من القوم.
د- وتطلق على الغموض والخفاء وعدم الشهرة، ومنه غريب الحديث: أي خفيه الذي لا يظهر معناه (2) ، وأغرب: أتى بالغريب.
هـ- وتطلق على الذهاب والتنحي عن الناس، يقال: غرب عنا يغرب غربًا.