وإذا ثبت هذا فنقول: ثبت بالدليل أن خالق العالم قادر على كل الممكنات، وثبت أن حصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد - صلى الله عليه وسلم - ممكن، فوجب كونه تعالى قادرًا عليه وحينئذ يلزم من مجموع هذه المقدمات أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه، أقصى ما في الباب أنه يبقى التعجب، إلا أن هذا التعجب غير مخصوص بهذا المقام، بل هو حاصل في جميع المعجزات، فانقلاب العصا ثعبانًا تبلغ سبعين ألف حبل من الحبال والعصي، ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب، وخروج الناقة العظيمة من الجبل الأصم، وإظلال الجبل العظيم في الهواء عجيب، وكذا القول في جميع المعجزات فإن كان مجرد التعجب يوجب الإنكار والدفع، لزم الجزم بفساد القول بإثبات المعجزات وإثبات المعجزات فرع على تسليم أصل النبوة وإن كان مجرد التعجب لا يوجب الإنكار والإبطال فكذا ههنا، فهذا تمام القول في بيان أن القول بالمعراج ممكن غير ممتنع، والله أعلم.
وقال رحمت الله الهندي: أما عقلًا: فلأن خالق العالم قادر على كل الممكنات، وحصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد - صلى الله عليه وسلم - ممكن، فوجب كونه تعالى قادرًا عليه، وغاية ما في الباب أنه خلاف العادة والمعجزات كلها تكون كذلك.
وأما عن قولهم: لماذا قال {أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} ؟ لماذا ذكر كلمة (ليلًا) والإسراء لا يكون إلا بالليل؟
قال الزمخشري: فإن قلت: الإسراء لا يكون إلا بالليل، فما معنى ذكر الليل؟ قلت: أراد بقوله (لَيْلًا) بلفظ التنكير: تقليل مدّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشأم مسيرة أربعين ليلة، وذلك أنّ التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية.
وأما قولهم ما الحكمة في لقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنبياء في السموات، والأنبياء مقرهم في ساحة الجنة؟ فما وجه لقائهم في سماء سماء؟.
قال ابن بطال: فوجهه أنهم تلقوه - صلى الله عليه وسلم - كما يتلقى القادم يسابق الناس إليه على قدر سرورهم بلقائه.
وبمثل هذا القول قال ابن الملقن في شرحه لصحيح البخاري.