وقيل: هو اسم للجميع. {أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} وقرأ أبو عمر وابن كثير أو من وراء جدار وحكي عن المكيين {أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} بفتح الجيم وإسكان الدال، ويجوز جدر على أن الأصل جدر فحذفت الضّمة لثقلها. وجدر لغة بمعنى جدار، وجدار واحد يؤدّي عن جمع إلا أن الجمع أشبه بنسق الآية لأن قبله {إِلَّا فِي قُرىً} ولم يقل: إلّا في قرية {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً} مفعول ثان لتحسب، وليس على الحال. {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} قال قتادة: أهل الباطل مختلفة أهواؤهم مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون على معاداة أهل الحقّ. قال مجاهد: {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} لأن بني النضير يهود والمنافقين ليسوا بيهود. وفي حرف ابن مسعود وقلوبهم أشتّ يكون أفعل بمعنى فاعل أو يحذف منه «من» {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} أي لا يعقلون ما لهم فيه الحظّ مما عليهم فيه النّقص.
[سورة الحشر (59) : آية 15]
{كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15) }
{كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} المعنى مثلهم كمثل الذين من قبلهم حين تمادوا على العصيان فأهلكوا. واختلف أهل التأويل في {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} هاهنا فقال ابن عباس:
هم بنو قينقاع، وقال مجاهد هم أهل بدر. والصواب أن يقال في هذا: إنّ الآية عامة
وهؤلاء جميعا ممن كان قبلهم. {قَرِيباً} نعت لظرف {ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي ذاقوا عذاب الله على كفرهم وعصيانهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي في الآخرة.
[سورة الحشر (59) : آية 16]
{كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) }
الكاف في موضع رفع أي مثل المنافقين في غرورهم بني النضير ومثل بني النضير في قلوبهم منهم كمثل الشيطان. وفي معناه قولان: أحدهما أنه شيطان بعينه غرّ راهبا.
وفي هذا حديث مسند قد ذكرناه، وهكذا روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
والقول الآخر أن يكون الشيطان هاهنا اسما للجنس، وكذا الإنسان، كما روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هي عامّة.
[سورة الحشر (59) : آية 17]
{فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17) }