وقرأ الجمهور: {أوّبي} ، مضاعف آب يؤب ، ومعناه: سبحي معه ، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد.
وقال مؤرج ، وأبو ميسرة: أوبي: سبحي ، بلغة الحبشة ، أي يسبح هو وترجع هي معه التسبيح ، أي تردد بالذكر ، وضعف الفعل للمبالغة ، قاله ابن عطية.
ويظهر أن التضعيف للتعدية ، فليس للمبالغة ، إذ أصله آب ، وهو لازم بمعنى: رجع اللازم فعدى بالتضعيف ، إذ شرحوه بقولهم: رجعي معه التسبيح.
قال الزمخشري: ومعنى تسبيح الجبال: أن الله يخلق فيها تسبيحاً ، كما خلق الكلام في الشجرة ، فيسمع منها ما يسمع من المسبح ، معجزة لداود.
قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين ، وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير بأصواتها. انتهى.
وقوله: كما خلق الكلام في الشجرة ، يعني أن الذي يسمع موسى هو مما خلقه الله في الشجرة من الكلام ، لا أنه كلام الله حقيقة ، وهو مذهب المعتزلة.
وأما قوله: تساعده الجبال على نوحه بأصدائها فليس بشيء ، لأن الصدى ليس بصوت الجبال حقيقة ، والله تعالى نادى الجبال وأمرها بأن تؤوب معه ، والصدى لا تؤمر الجبال بأن تفعله ، إذ ليس فعلاً لها ، وإنما هو من آثار صوت المتكلم على ما يقوم عليه البرهان.
وقال الحسن: معنى {أوبي معه} : سيري معه أين سار ، والتأويب: سير النهار.
كان الإنسان يسير الليل ثم يرجع للسير بالنهار ، أي يردده ، وقال تميم بن مقبل:
لحقنا بحي أوبوا السير بعدما ...
رفعنا شعاع الشمس والطرف تجنح
وقال آخر:
يومان يوم مقامات وأندية ...
ويوم سير إلى الاعداء تأويب
وقيل: أوّبي: تصرفي معه على ما يتصرف فيه.
فكان إذا قرأ الزبور ، صوتت الجبال معه وأصغت إليه الطير ، فكأنها فعلت ما فعل.
وقرأ ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، وابن أبي إسحاق: أوبي ، أمر من أوب: أي رجعي معه في التسبيح ، أو في السير ، على القولين.