والظاهر أنه جعل النحاس لسليمان في معدنه عيناً تسيل كعيون المياه ، دلالة على نبوّته.
وقال الخليل: القِطْر: النحاس المذاب.
قلت: دليله قراءة من قرأ:"مِن قِطرٍ آنٍ".
{وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي بأمره {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} الذي أمرناه به من طاعة سليمان.
{نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير} أي في الآخرة ، قاله أكثر المفسرين.
وقيل ذلك في الدنيا ، وذلك أن الله تعالى وكلّ بهم فيما روى السُّدّي مَلكاً بيده سوط من نار ، فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه بذلك السوط ضربة من حيث لا يراه فأحرقته.
و"مَن"في موضع نصب بمعنى وسخرنا له من الجن من يعمل.
ويجوز أن يكون في موضع رفع ، كما تقدّم في الريح.
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)
فيه ثماني مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} المحراب في اللغة: كل موضع مرتفع.
وقيل للذي يصلَّى فيه: محراب ؛ لأنه يجب أن يرفع ويعظّم.
وقال الضحاك:"مِنْ مَحَارِيبَ"أي من مساجد.
وكذا قال قتادة.
وقال مجاهد: المحاريب دون القصور.
وقال أبو عبيدة: المحراب أشرف بيوت الدار.
قال:
وماذا عليه أن ذكرتُ أوانساً ...
كغِزلان رَمْل في محاريبِ أقيالِ
وقال عَدِيّ بن زيد:
كدُمَى العاج في المحاريب أو كال ...
بَيْض في الروْض زهره مستنيرُ
وقيل: هو ما يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة ؛ كما قال: {إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب} [ص: 21] وقوله: {فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب} [مريم: 11] أي أشرف عليهم.