وكذلك خلافه قارب وقرّب ، واللفظان جميعا على معنى الطّلب والدّعاء . والمعنى في الوجهين على أنّهم كرهوا ما كانوا فيه من السعة والخصب وكفاية الكدح في المعيشة ، وهؤلاء ممّن دخل في جملة قوله سبحانه: وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها [القصص / 58] والبطر فيما قال بعض الناس: كراهة الشيء من غير أن يستحق أن يكره . وسؤالهم ما سألوا قريب من سؤال قوم موسى: ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض [البقرة / 61] .
[سبأ: 20]
اختلفوا في التخفيف والتشديد من قوله سبحانه: ولقد صدق عليهم [سبأ / 20] فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر:
صدق* خفيفة ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: صدق ، مشددة .
[قال أبو علي] : معنى التخفيف: أنّه صدق ظنّه الذي ظنّه بهم من متابعتهم إيّاه إذا أغواهم ، وذلك نحو قوله سبحانه: قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم [الأعراف / 16] ولأغوينهم أجمعين [الحجر / 39] فهذا ظنّه الذي صدّقوه ، لأنّه لم يقل ذلك عن تيقّن ، فظنّه على هذا ينتصب انتصاب المفعول به ، ويجوز أن ينتصب انتصاب الظرف ، صدق عليهم إبليس في ظنه ، ولا يكون متعديا بصدق إلى المفعول به ، وقد يقال: أصاب الظنّ ، وأخطأ الظنّ ، ويدلّ على ذلك:
الألمعيّ الذي يظنّ لك الظّن من كأن قد رأى وقد سمعا فهذا يدلّ على إضافة الظّنّ ، وقال الشاعر في تعديته إيّاه إلى المفعول به: إن كان ظنّي صادقي
ووجه من قال: صدق بالتّشديد أنّه نصب على أنّه مفعول به ، وعدّى صدق إليه قال:
فإن لم أصدّق ظنّكم بتيقّن فلا سقت الأوصال منّي الرّواعد
[سبأ: 23]