ثم وصفهم فقال: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ} [الأحزاب: 39] في أداء الرسالة ورعاية حقوق الأمم وحفظ مصالح الدين {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} [الأحزاب: 39] حافظاً لمصالحهم ومحاسباً لهم بكرمهم وبقوله: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40] يشير إلى قطع نسبه إلى الخلق وتصحيحه إلى النبوة والرسالة بقوله: {وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"كل حسب ونسب منقطع إلا حسبي ونسبي"ويقول:"لست كأحدكم"وبقوله: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب: 40] يشير إلى إحاطة علمه من الأزل إلى الأبد بما كان ويكون فيما بينهما كما هو مع تغير أحوال المعلومات بلا تغير العلم بها من غير أن يشغله شأن من شأن علم معلوم له على صفة معينة عن شأن علمه بذلك المعلوم له اليوم على غير الصفة المعينة بالأمس.
ثم أخبر عن كثرة الذكر وترجيحه على الفكر بقوله: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} [الأحزاب: 41] يشير إلى أن أحبوا الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من أحبَّ شيئاً أكثر ذكره"فأوجب الله تعالى محبته بالإشارة في الذكر الكثير، وإنما أوجبها بالإشارة دون العبارة الصريحة؛ لأن أهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحر يكفيه الإشارة، وإنما لم يصرح بوجوب المحبة؛ لأنها مخصوصة بقوله دون سائر الخلق، كما قال تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] فعلى هذا بقوله: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] يشير إلى أن أحبوني أحببكم.