قوله تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ} لما لم يكن للكون استعداد حمل أمانة الربوبية بنعت الانفراد والفناء والسكر في العشق والخروج بنعت الألوهية أبى أن يحملها لأن سطوات الألوهية إذا بدت اضمحلت الاكوان والحدثان فيها وبقى أدم لأنه كان مستعداً لقبول ذلك لأنه كان مخلوقا بخلقه موصوفا بصفته مستحكما بتأييده الأزلية ومباشرة نور صفته الخاصة بقوله خلقت بيدى قويا بقوة الروح القدسية التي بدت من ظهور نور الذات حين تجلى من القدم لأدم بقوله ونفخت فيه من روحى فإذا كان كذلك حمل أمانة الله بالله لا بالحدثان فإنه تعالى قائم بنفسه منزه عن مباشرة الحدوثية وفقد حمل أنوار جميع الصفات والذات حيث صدر وجوده من تجلى الذات والصفات فخرج موصوفا بالصفات منوراً بنور الذات وهذه بجميعها الأمانة ولا يكون لتلك الأمانة موضع إلا أدم ومن كان بوصفه من ذريته من الأولياء والأنبياء فإذا قابل القدم وقبل الأمانة فقد جهل بالقدم اصلا حيث قبل الكل بالبعض كذلك قال {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} إذ وازى الأزل والأبد مع علة الحدوثية جهولا حيث لم يعلم أن حقيقة التوحيد بالحقيقة مزلة اقدام الموحدين وكيف يكون صفوان القدم موضع اقدام الحدث فمجاز الأمانة بعد ذلك المحبة والعشق والمعرفة وحقيقتها الامانية قال ابن عطا الأمانة هي تحقيق التوحيد على سبيل التفريد قال الجنيد أن الله لمّا عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فابوا حملها وعرض على أدم فقبلها ابوا حين ظنوا انهم اياهم يحملون حمل أدم حين علم انه به يحمله لا بنفسه وقال أيضا نظر أدم إلى عرض الحق فانساه لذة العرض ثقل الأمانة ولما عرض الخلائق والجمادات فاشفقوا وهربوا ظنوا أن الأمانة تحمل بالنفوس فكشف لآدم أن حمل الأمانة بالقلب لا بالنفس فقال انا احملها فان القلب موضع نظر الحق واطلاعه فإذا أطلق ذلك يطيق حمل الأمانة فان الأمانة حدث واطلاع الحق وتجلية لم يطقها الجبال واطاقتها القلوب وأنشدحملت بالقلب ما لا يحمل البدن والقلب يحمل ما لا يحمل البدنيا ليتنى كنت أدنى من يلوذ بكم عيناً ويحظى كثير الحرص والشجن. انتهى انتهى {عرائس البيان، للبقلي. 3/} ...