ولم تعرف البشرية كلها حادثاً جماعياً كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين، لقد استقبلوهم بالحب الكريم، والبذل السخي، والمشاركة الطيبة في الأموال، وشاركوهم في الشعور والمشاعر، والإيمان والأعمال.
وتسابق الأنصار إلى الإيواء، واحتمال الأعباء، حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة، لأن عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين.
فلله در هذه الأنفس ما أعزها وما أكرمها وما أشرفها.
وهؤلاء الأنصار نفوسهم عزيزة كريمة، لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتي المهاجرون من مقام مفصل، ومن مال يختصون به، كهذا الفيء الذي أفاءه الله على رسوله، وخصهم به دون الأنصار.
بل يؤثرون المهاجرين على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة، والإيثار على النفس مع الحاجة قمة عليا، وقد بلغ إليها الأنصار بما لم تشهد له البشرية نظيراً، وكانوا كذلك في كل مرة، وفي كل حالة بصورة خارقة لمألوف البشر.
وحين أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - قسمة ما أفاء الله عليه من أموال بني النضير قال للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة» ؟.
وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم، ولم يقسم لكم من الغنيمة شيء؟
فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا، ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نشاركهم فيها.
فلله در هذه النفوس الأبية، وتلك القلوب الزاكية النقية.
وشح النفوس هو المعوق عن كل خير، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، وقد حمى الله الأنصار منه.
ولا يمكن أن يفعل الخير شحيح يهم أن يأخذ دائماً، ولا يهم مرة أن يعطى. على يد هؤلاء المهاجرين. وهؤلاء الأنصار .. قام شكل الدين .. وقامت روح الدين .. وقامت أخلاق الدين .. وكمل بناء الدين على أجمل صورة.