وقد خرجوا من ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً كما قال سبحانه: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) } [الحشر: 8] .
خرجوا بدينهم معتمدين على الله، لا ملجأ لهم سواه، ولا جناب لهم إلا حماه، وهم مع أنهم مطاردون قليلون، ينصرون الله ورسوله بقلوبهم وسيوفهم في أحرج الساعات، وأضيق الأوقات، أولئك هم الصادقون الذين قالوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وصدقوها بعملهم، وكانوا صادقين مع الله في أنهم اختاروه، وصادقين مع رسوله في أنهم اتبعوه، وصادقين مع الحق في أنهم كانوا صورة منه، تمشي به في الناس.
وهؤلاء السابقون من المهاجرين بذلوا كل شيء من أجل إعلاء كلمة الله، وضحوا بكل شيء من أجل نصرة دين الله.
فهم أفضل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا غرابة فقد ضحوا بأغلى ما يملكون من أجل إعلاء كلمة الله:
فضحوا بستة أشياء من أجل لا إله إلا الله، ضحوا بالأوقات .. والأنفس .. والأموال .. والبلدان .. والشهوات .. والجاه ولهذا سماهم الله بالصادقين، لأنهم أتبعوا القول بالعمل، وصدقوا فيما عاهدوا الله عليه ..
ثم يليهم في الفضل الأنصار الذين قال الله عنهم: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) [الحشر: 9] .
هذه المجموعة العجيبة التي تفردت بصفات، وبلغت إلى آفاق، لولا أنها وقعت بالفعل، لحسبها الناس أحلاماً طائرة.
هؤلاء الذين تبوءوا المدينة دار الهجرة قبل المهاجرين، كما تبوؤوا فيها الإيمان، وكأنه منزل لهم ودار.
وهذا موقف الأنصار من الإيمان، لقد كان دارهم ونزلهم، ووطنهم الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسكن إليه أرواحهم، ويثوبون إليه كما يثوب المرء إلى داره.