إن على المصلحين والدعاة إلى الله أن يعملوا لإعادة هذا الدين في حياة الأمة إلى الوجود الفعلي في مختلف شعب الحياة، بعد أن انقطع هذا الوجود منذ أن حلت شرائع البشر محل شريعة الله في أغلب بقاع الأرض، وخلا وجه الأرض من الوجود الحقيقي للإسلام، وإن بقيت المآذن والمساجد، والأدعية والشعائر' تخدر مشاعر الباقين على الولاء العاطفي الغامض لهذا الدين، وتوهمهم أنه لا يزال بخير، وهو يمحى من الوجود محواً، وتطرد شرائعه وأحكامه من واقع الحياة طرداً، وتهدم أركانه وواجباته وسننه كل حين.
إن مجتمع التوحيد والإيمان قد وجد في مكة، قبل أن توجد الشعائر، وقبل أن توجد المساجد، وجد من يوم قيل للناس: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 85] .
فعبدوه، ولم تكن عبادتهم حينئذ ممثلة في الشعائر، فالشعائر لم تكن بعد قد فرضت، إنما كانت عبادتهم له ممثلة في الدينونة لله وحده في كل شيء قبل نزول الشرائع.
وحين أصبح لهؤلاء الذين قرروا الدينونة لله وحده سلطان مادي في الأرض تنزلت الشرائع والشعائر، ودان الناس لربهم بهذا وهذا على حد سواء.
إن الناس لا تتحول أبداً من الجاهلية وعبادة لطواغيت، إلى الإسلام وعبادة الله وحده، إلا عن طريق ذلك الطريق الطويل البطيء، الذي سارت فيه دعوة الإسلام في كل مرة من أول يوم فأفلحت.
ذلك الطريق الذي بدأه فرد، وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ثم تتبعه طليعة مؤمنة، ثم تتحرك هذه العصبة في وجه الجاهلية، وتعاني ما تعاني، حتى يحكم الله بينها وبين قومها بالحق، ويمكن لها في الأرض فتقيم الشعائر والشرائع في جميع أحوالها، ثم يدخل الناس في دين الله أفواجاً: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) } [الحج: 40، 41] .
وهذه الأمة التي اختارها الله لحمل أمانة الدين والدعوة إليه، لها صفات، وعليها واجبات، ولها مكانة عند الله، ومكانة عند الناس.