قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50]
طَرَدَ إِبْلِيسَ عَنْ سَمَائِهِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ جَنَّتِهِ، وَأَبْعَدَهُ مِنْ قُرْبِهِ، إِذْ لَمْ يَسْجُدْ لَكَ، وَأَنْتَ فِي صُلْبِ أَبِيكَ آدَمَ، لِكَرَامَتِكَ عَلَيْهِ، فَعَادَاهُ وَأَبْعَدَهُ، ثُمَّ وَالَيْتَ عَدُوَّهُ، وَمِلْتَ إِلَيْهِ وَصَالَحْتَهُ، وَتَتَظَلَّمُ مَعَ ذَلِكَ، وَتَشْتَكِي الطَّرْدَ وَالْإِبْعَادَ، وَتَقُولُ:
عَوَّدُونِي الْوِصَالَ وَالْوَصْلُ عَذْبُ ... وَرَمَوْنِي بِالصَّدِّ وَالصَّدُّ صَعْبُ
نَعَمْ، وَكَيْفَ لَا يَطْرُدُ مَنْ هَذِهِ مُعَامَلَتُهُ؟ وَكَيْفَ لَا يَبْعُدُ عَنْهُ مَنْ كَانَ هَذَا وَصْفَهُ؟ وَكَيْفَ يَجْعَلُ مِنْ خَاصَّتِهِ وَأَهْلِ قُرْبِهِ مَنْ حَالُهُ مَعَهُ هَكَذَا؟ قَدْ أَفْسَدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَكَدَّرَهُ.
أَمَرَهُ اللَّهُ بِشُكْرِهِ، لَا لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ لِيَنَالَ بِهِ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ، فَجَعَلَ كُفْرَ نِعَمِهِ، وَالِاسْتِعَانَةَ بِهَا عَلَى مَسَاخِطِهِ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ صَرْفِهَا عَنْهُ.