والعبادات أيضاً إذا صارت مضمونة بالتفريط، ثم تعتبر فيما بعد ذلك بالإمكان والعجز، فعلمنا أن حكمها في أوائلها إنما كان ما ذكرنا، ليكون سبيله سبيل الأمانات والله أعلم.
فينبغي لكل من وجبت عليه عبادة بدخول وقتها أو حلول شرطها أن يسارع إليها فيردها أمانة لأهلها، على نفسه مضمونة.
فإن استيفاء الأمانة بين الله تعالى وبين نفسه أحسن وأجمل من التقريظ الذي يزيل عنه حسن هذه السمة، ويبدله عنه خلافها، ولم يكن حرجاً ولا إثماً، ثم على هذا كل أمانة وجبت لله تعالى أو لمسلم، فينبغي أن يجتهد في أدائها واستيفاء هذه التتمة وحسنها.
فإذا حمل علماً من علم الدين فسئل عنه لم يكتمه، وإذا كان حاكماً فيثبت عنده لرجل أو امرأة حق، لم يحبس الحكم به ولم يؤخره.
وإن ولي أمور المسلمين سبباً لم يضيعهم ولم يغشهم فيقعد بهم حين الجهاد، ويجاهدهم حين القعود ويؤخر الصلاة لهم عن وقتها، ويستعمل عليهم شرار العمال ويحتجب عنهم ويشد وطأته عليهم، ويبسط يده بأنواع الظلم إليهم.
فإن فعل ذلك، فلم ينصح لهم، ولم يؤد أمانة الله وأوليائه ورسله إليهم والقوم إن قبلوا ولايته وألزموا طاعته ثم يخشوه، وقعدوا عما أمرهم به مع تيسير آثار الصلاح فيه بالعلل والمعاذير، فاختلت ولايته ووهن سلطانه، وأشاروا عليه بما يعلمون أن فيه انتشار الأمر، وتفرق الكلام، وقوة العدو، وليسوا عليه، فقبل منهم، فقد خانوا الله ورسوله، وخانوا أماناتهم، وبدلوا فكان الصلح الذي كان فرضهم الغش الذي لم يكن يسعهم، وكل مسلم فينبغي أن ينصح لأخيه المسلم ولا يغشه.
وخصوصاً أن يكون إن استشارة.
فقد جاء «أن المستشار مؤتمن» وإن علمه مقبلاً على ما يستوهم عاقبته، وهو في غفلة منه، فينبغي له أن ينبههه من رقدته، ويدله على ما يعلمه من مصلحته، فيكون قدم له وأدى أمانة الأخوة في الدين إليه.
وإذا استودع مسلم مسلماً سراً فقبل منه أن يحفظه، فلا يحل له أن يخونه فيفشيه، وخصوصاً إذا كان يتضرر بإفشائه.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: «إنما المفلسون المتخالسون بأمانة الله، ولا يحل لأحدهم أن يفشي على صاحبه ما يكره، فإن استودعه مالا فقبله، فينبغي له أن يحفظه، ثم حفظه وأكمله فإن تغيرت حال بينه، أو فارقة من كان يثق به من أهله، فينبغي له أن يعلم أن المستودع حال وديعته ليرى فيه رأيه، وهكذا إذا أراد سفر» .
ولا يحل له أن ينتفع بما يضره ولا يضره، لأنه قد أمنه فيها.