ثم قال: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} ولو أنه كان بهذا النقصان لم يحملها، وذلك أن الإنسان لم يخبر في جملة الأمانة كما دعي أليها، فتكون إجابته إلى حملها والإحاطة به محمولتين في جهله وظلمه.
ولكنه ألزمها إلزاماً.
فقيل لأولهم: {يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ} .
وهذا الإخبار فيه.
فيثبت أن هذا كلام مستأنف.
وأن المعنى قد حملها الإنسان.
ثم إنه بعد الحمل يجهل موضع حظه، ويظلم نفسه، فيخالف الأمر، ويرتكب النهي ويعرض نفسه للعقاب، ويحرمها الثواب.
وهذا تعجيب من حامل الأمانة.
لا عبث منه، ولا طعن فيه، وبالله التوفيق.
وقال عز وجل: {لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: «أد الأمانة إلى من أئتمنك، ولا تخن من خانك» .
وقال: «من علامات المنافق أن يكذب إذا حدث، ويخلف إذا وعد، ويخون إذا ائتمن» .
وقال: «ألا أن الدين النصيحة. قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله وللرسول ولأئمة المسلمين وعامتهم» .
وقال: «من غشنا فليس منا» فثبت أن أداء الأمانة ما كانت لمن كانت واجبة، وأنه أفضل شعب الإيمان.
فأول ذلك أن الله - عز وجل - لما تعبد عباده فأمرهم ونهاهم ووعدهم وأوعدهم فوض ما تعدهم به إلى إجبارهم، ولم يجبرهم على الطاهرة، جبراً، وهذا بالحقيقة ائتمان.
ثم إنه بين ذلك بأحكامه، فحكم بأن من دخل عليه وقت الصوم ولم يعلم ذلك صوم أو نسيان، ومات على ذلك، أو قام إلى الوضوء فلم يستتمه أوفرغ منه، ولم يبلغ المسجد أو مصلاه في بيته، حتى مات، فلا صلاة عليه.
وإن المريض إذا أفطر في شهر رمضان ولم يدرك ما بعد الشهر فلا شيء عليه.
وإن من حال الحول على ماله ولم يتمكن من أداء الزكاة حتى هلك ماله فلا شيء عليه.
وإن من وجد المال إلا أنه مات قبل وقت الوقوف فلا حج عليه.
ومن لم يقدر على شيء من العبادات ما كان فليس عليه وهذا كله حكم الأمانة.
فأما حكم الضمان فغير هذا، لأن من استقرض من آخر مالاً وقبضه ثم هلك مكانه ولم يكن له مال سواه، فعليه ضمانة.
وكذلك لو غصب من الآخر مالاً فعجز عن رده، ولم تسقط عنه تبعته.