والمحمل الثاني: الذكر القلبي وهو ذكر الله عند أمره ونهيه كما قال عمر بن الخطاب: أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه ، وهو الذي في قوله تعالى:
{والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 135] فدخل فيه التوبة ودخل فيها الارتداع عن المظالم كلها من القتل وأخذ أموال الناس والحِرابة والإِضرار بالناس في المعاملات.
ومما يوضح شموله لهذه الشرائع كلها تقييده بـ {كثيراً} لأن المرء إذا ذَكَر الله كثيراً فقد استغرق ذكره على المحملين جميعَ ما يُذكر الله عنده.
ويراعى في الاتصاف بهذه الصفات أن تكون جارية على ما حدده الشرع في تفاصيلها.
والمغفرة: عدم المؤاخذة بما فَرَط من الذنوب ، وقد تقدمت في قوله تعالى: {وإن لم تغفر لنا وترحمنا لكونن من الخاسرين} في سورة الأعراف (23) .
واعلم أن عطف الصفات بالواو المفيد مجرد التشريك في الحكم دون حرفي الترتيب: الفاءِ وثم ، شأنه أن يكون الحكم المذكور معه ثابتاً لكل واحد اتصف بوصف من الأوصاف المشتق منها موصوفُه لأن أصل العطف بالواو أن يدل على مغايرة المعطوفات في الذات ، فإذا قلت: وجدت فيهم الكريم والشجاع والشاعر كان المعنى: أنك وجدتَ فيهم ثلاثة أُناس كل واحد منهم موصوف بصفة من المذكورات.
وفي الحديث: فإن منهم المريض والضعيف وذا الحاجة أي أصحاب المرض والضعف والحاجة ، بخلاف العطف بالفاء كقوله تعالى: {والصافات صفاً فالزاجرات زجراً فالتاليات ذكراً} [الصافات: 1 3] فإن الأوصاف المذكورة في تلك الآية ثابتة لموصوف واحد.
ولهذا فحقّ جملة {أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً} أن تكون خبراً في المعنى عن كل واحد من المتعاطفات فكأنه قيل: إن المسلمين أعدّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً ، إن المسلمات أعدّ الله لهن مغفرة وأجراً عظيماً ، وهكذا.