قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: {يسبح له فيها بالغدو والآصل رجال} يقوي أنها المساجد وقوله: {أذن} بمعنى أمر وقضى ، وحقيقة الإذن العلم والتمكين دون حظر فإن اقتران بذلك أمر وإنفاذ كان أقوى ، و {ترفع} ، قيل معناه تبنى وتعالى ، قاله مجاهد وغيره فذلك كنحو قوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد} [البقرة: 127] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من بنى مسجداً من ماله بنى الله له بيتاً في الجنة"، وفي هذا المعنى أحاديث ، وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره معناه تعظم ويرفع شأنها ، وذكر {اسمه} تعالى ، هو بالصلاة والعبادة قولاً وفعلاً ، وقرأ ابن كثير وعاصم"يسبَّح"بفتح الباء المشددة ، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم"يسبِّح"بكسر الباء ، ف {رجال} على القراءة الأولى مرتفع بفعل مضمر يدل عليه {يسبح} تقديره يسبحه رجال ، فهذا عند سيبويه نظير قول الشاعر:"ليبك يزيد ضارع لخصومة"أي يبكيه ضارع ، و {رجال} على القراءة الثانية مرتفع ب {يسبح} الظاهر ، وروي عن يحيى بن وثاب أنه قرأ"تسبح"بالتاء من فوق ، و {الغدو والآصال} قال الضحاك أراد الصبح والظهر ، وقال ابن عباس أراد ركعتي الضحى والعصر وإن ركعتي الضحى لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلا غواص ، وقرأ أبو مجلز"والإيصال"ثم وصف تعالى المسبحين بأنهم لمراقبتهم أمر الله تعالى وطلبهم لرضاه لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا ، وقال كثير من الصحابة نزلت هذه الآية في أَهل الأَسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا إليها ، فرأى سالم بن عبد الله بن عمر أهل الأسواق وهم مقبلون إلى الصلاة فقال هؤلاء الذين أراد الله تعالى بقوله: {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} ، وروي ذلك عن ابن مسعود ، {وإقام} ، مصدر من أقام يقيم أصله أقوام نقلت حركة الواو إلى القاف فبقيت ساكنة والألف ساكنة فحذفت للالتقاء ،