وأما الخامس: وهو الروح القدسي النبوي المنسوب إلى الأولياء إذا كان في غاية الصفاء والشرف وكانت الروح المفكرة منقسمة إلى ما يحتاج إلى تعليم وتنبيه ومدد من خارج حتى يستمر في أنواع المعارف ، وبعضها يكون في شدة الصفاء كأنه يتنبه بنفسه من غير مدد من خارج ، فبالحريّ أن يعبر عن الصافي البالغ الاستعداد بأنه يكاد زيته يضيء ، ولو لم تمسسه نار: إذ من الأولياء من يكاد يشرق نوره حتى يكاد يستغني عن مدد الأنبياء ؛ وفي الأنبياء من يكاد يستغني عن مدد الملائكة. فهذا المثال موافق لهذا القسم.
وإذا كانت هذه الأنوار مترتبة بعضها على بعض: فالحسى هو الأول ، وهو كالتوطئة والتمهيد للخيالي ، إذ لا يتصور الخيالي إلا موضوعا بعده ؛ والفكري والعقلي يكونان بعدهما ؛ فبالحرى أن تكون الزجاجة كالمحل للمصباح والمشكاة كالمحل للزجاجة: فيكون المصباح في زجاجة ، والزجاجة في مشكاة.
وإذ كانت هذه كلها أنواراً بعضها فوق بعض فبالحريّ أن تكون نورا هذا المثال إنما يتضح لقلوب المؤمنين أو لقلوب الأنبياء والأولياء لا لقلوب الكفار: فإن النور يراد للهداية. فالمصروف عن طريق الهدى باطل وظلمة ، بل أشد من الظلمة: لأن الظلمة لا تهدي إلى الباطل كما لا تهدي إلى الحق. وعقول الكفار انتكست ، وكذلك سائر إدراكاتهم وتعاونت على الإضلال في حقهم. فمثالهم كرجل في)بَحرٍ لُّجِّيٍّ يَغشاهُ مَوجٌ مِّن فَوقِهِ مَوجٌ مِّن فَوقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعضَها فَوقَ بَعضٍ(والبحر واللّجيِّ هو الدنيا بما فيها من الأخطار المهلكة والأشغال المردية والكدورات المعمية.