والموج الأول موج الشهوات الداعية إلى الصفات البهيمية والإشتغال باللذات الحسية وقضاء الأوطار الدنيوية حتى إنهم يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام. وبالحريّ أن يكون هذا الموج مظلما لأن حب الشيء يعمى ويصم. والموج الثاني موج الصفات السبعية الباعثة على الغضب والعداوة والبغضاء والحقد والحسد والمباهاة والتفاخر والتكاثر. وبالحري أن يكون مظلما لأن الغضب غول العقل. وبالحري أن يكون هو الموج الأعلى: لأن الغضب في الأكثر مستول على الشهوات حتى إذا هاج أذهل عن الشهوات وأغفل عن اللذات المشتهاة. وأما الشهوة فلا تقاوم الغضب الهائج أصلا.
وأما السحاب فهو الاعتقادات الخبيثة ، والظنون الكاذبة ، والخيالات الفاسدة التي صارت حجبا بين الكافرين وبين الإيمان ومعرفة الحق والاستضاءة بنور شمس القرآن والعقل: فإن خاصية السحاب أن يحجب إشراق نور الشمس.
وإذا كانت هذه كلها مظلمة فبالحري أن تكون ظلمات بعضها فوق بعض. وإذا كانت هذه الظلمات تحجب عن معرفة الأشياء القريبة فضلا عن البعيدة ، ولذلك حجب الكفار عن معرفة عجائب أحوال النبي عليه السلام مع قرب متناوله وظهوره بأدنى تأمل ، فبالحرى أن يعبر عنه بأنه لو أخرج يده لم يكد يراها. وإذا كان منبع الأنوار كلها من النور الأول الحق كما سبق بيانه فبالحرى أن يعتقد كل موحد أن)وَمَن لَّم يَجعَلِ اللهُ لَهُ نوراً فَما لَهُ مِن نّورٍ(فيكفيك هذا القدر من أسرار هذه الآية فاقنع به.
الفصل الثالث
في معنى قوله عليه السلام
إن لله سبعين حجابا من نور وظلمة
لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره
وفي بعض الروايات سبعمائة ، وفي بعضها سبعين ألفا: فأقول: إن الله تعالى متجل في ذاته لذاته ، ويكون الحجاب بالإضافة إلى محجوب لا محالة ؛ وإن المحجوبين من الخلق ثلاثة أقسام: منهم من حجب بمجرد الظلمة ؛ ومنهم من حجب بالنور المحض ؛ ومنهم من حجب بنور مقرون بظلمة.