ومعنى المفاعلة في هذا العقد: أن المولى يكتب؛ أي: يفرض، ويوجب على نفسه أن يعتق المكاتب إذا أدى البدل، ويكتب العبد على نفسه أن يؤدي البدل من غير إخلال. وأيضًا بدل هذا العقد مؤجل منجم على المكاتب، والمال المؤجل يكتب فيه كتاب على من عليه المال غالبًا.
واختلفوا في معنى: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} فقال ابن عمر: قوةً على الكسب. وهو قول مالك والثوري. وقيل: مالًا. روي أن عبدًا لسلمان الفارسي قال له: كاتبني، قال: ألك مال؟ قال: أتريد أن تطعمني أوساخ الناس، ولم يكاتبه. قيل: لو أراد به المال لقال: إن علمتم لهم خيرًا. وقيل: صدقًا وأمانةً. وقال الشافعي: أظهر معاني الخير في العبد، الاكتساب مع الأمانة، فأحب أن لا يمنع من الكتابة إذا كان هكذا. وقيل: معنى الخير، أن يكون العبد عاقلًا بالغًا.
فأما الصبي والمجنون فلا تصح كتابتهما؛ لأن الابتغاء منهما لا يصح. وجوز أبو حنيفة كتابة الصبي المراهق.
والمعنى: أي والمماليك الذين يطلبون من سادتهم أن يكاتبوهم على أداء مال معين نجومًا، ليصيروا بعد أدائها أحرارًا، ويكونوا قادرين على الكسب، وأداء ما كوتبوا عليه مع الأمانة والصدق فكاتبوهم، ويكونون بعد انتهاء الأجل وأداء ما أوجبوه على أنفسهم أحرارًا في رقابهم وفي كسبهم.
ثم حث المؤمنين جميعًا على تحرير الرقاق، فقال: {وَآتُوهُمْ} ؛ أي: واعطوا أيها السادة المكاتبين شيئًا {مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} ؛ أي: أعطاكم، وليس لكم فيه فضل، فإن الله ربكم ورب عبيدكم، وأموالكم ملكه. أو أعطوا أيها الحكام المكاتبين سهامهم التي جعلها الله لهم في بيت المال في مصارف الزكاة بقوله: {وَفِي الرِّقَابِ} ؛ أي: وفي تحرير الأرقاء.
وعلى القول بأن الخطاب للسادة .. فالواجب إما أن يعطوهم شيئًا من المال، أو يحطوا عنهم مما كوتبوا عليه. وظاهر الآية عدم تقدير ذلك بمقدار. وقيل: الثلث. وقيل: الربع. وقيل: العشر. ولعل وجه تخصيص الموالي بهذا الأمر هو كون الكلام فيهم وسياق الكلام معهم، فإنهم المأمورون بالكتابة. وقال الحسن والنخعي وبريدة: إن الخطاب بقوله: {وَآتُوهُمْ} لجميع الناس.