وهذا قول عبد الله بن مسعود، ووائل بن ربيعة.
وذكر أبو إسحاق قولا آخر، فقال: الآية تدل على أنهم نُهُوا أن يُحرِّمُوا ما حرم أصحابُ الأوثان نحو قولهم {مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} [الأنعام: 139] ونحو تحريمهم البحيرة والسائبة، فأعلمهم الله عز وجل أن الأنعام محللة إلا ما حرم منها، ونهاهم الله عن قول الزور وهو أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام ليفتروا على الله كذبًا.
31 -وقوله: {حُنَفَاءَ} قال ابن عباس: يريد موحدين. وهذا كقول من قال: مسلمين مستقيمين على الدين. والحنيف: المائل عن الأديان كلهاه إلى دين الإسلام.
وهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال: تأويله: مسلمين لا يميلون إلى دين غير الإسلام.
وقال مجاهد: {حُنَفَاءَ} متبعين. والحنيفية عند مجاهد إتباع الحق. وقال السدي والحسن: حَجَّاجًا.
والحنيفية عند العرب: حج البيت. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [البقرة: 135] .
قوله: {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} قال الكلبي: غير مشركين بالله في التلبية،
وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يشركون في تلبيتهم بقولهم: إلا شريك هو لك.
وقال عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر - رضي الله عنه -: كان الناس يحجون وهم مشركون، وكانوا يُسمون الحنفاء، لأن العرب تسمى الحاج: الحنيف، فلما أسلموا نزلت {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} .
أي: كما أنهم كانوا حنفاء مشركين فأنتم حنفاء غير مشركين بالله.
ثم ضرب لمن أشرك مثلا، فقال: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ} أي سقط {مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} يقال: خَطِفَ يَخْطَفُ، إذا أخذ بسرعة. وخَطَفَ يَخْطِفُ أيضًا. وذكرنا الكلام فيه عند قوله {يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: 20] .