وقرأ نافع (فتخطِّفه الطير) بالتشديد. وإنما هو فتتخطِفه فحذف تاء التّفعّل، وكلتا القراءتين حكايته حال تكون. قال ابن عباس: يريد تخطف لحمه.
وقوله: {أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ} أي: تسقطه. يقال: هوى إذا سقط من أعلى إلى أسفل. وقد مر.
قوله {فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} قال ابن عباس وغيره: بعيد.
والسحق: البُعد. يقال: سحقًا له وبعدًا، وأسحقه الله سحقًا، وإنه لسحيق: بعيد. والفعل منه سَحُقَ يَسْحَقَ.
قال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك به في بعده من الهدى وهلاكه.
وذكر أهل المعاني قول قتادة، فقال الزجاج: هذا مثل ضربه الله للكافر في بُعده من الحق، فأعلم أن بُعد من أشرك به من الحق كبعد من خر من السماء، فذهبت به الطير أو هوت به الريح في مكان بعيد. ونحو هذا قال ابن قتيبة.
وقال غيره: شبه حال المشرك بحال الهاوي من السماء في أنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقطه الريح، فهو هالك لا محالة إما باستلاب الطير لحمه وإما بسقوطه في المكان السحيق، كذلك الكافر لا يملك لنفسه شيئًا ولا دفع ضر يوم القيامة حتى يقع في النار، فهو هالك لا محالة.
وقال أبو علي الفارسي: المعنى في هذا أنه قوبل به قوله {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ} [البقرة: 256] فكما كان المؤمن في إيمانه متمسكًا بالعروة الوثقى،
كان المشرك بعكس ذلك فلم يتمسك لكفره وشركه بشيء يتعلق به، ولم يتمسك بما له فيه أمان من الخُرُور ونجاةٌ من الهُوي واختطاف الطير له، كالمؤمن المتمسك بإيمانه فصار كمن خر من السماء، فهوت به الريح، فلم يكن له في شيء من ذلك مُتعلق ولا معتصم فيكون له ثبات.
32 -قوله تعالى: {ذَلِكَ} أي: الأمر ذلك، كما قلنا في قوله {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ} ذكره المبرد عن سيبويه في هذه الآية.