وهذا الأقوال ذكروها في قوله: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ} [الأنعام: 125] .
قال الأخفش في هذه الآية: المعنى: فاجتنبوا الرجس الذي يكون منها. أي: عبادتها.
وعلى هذا سميت عبادتها رجسًا؛ لأنها تؤدي إلى الرجس الذي هو اللعنة والعذاب. وعلى قول الكلبي هي رجس؛ لأنها مأثم.
وقال أبو إسحاق: (من) هاهنا تخليص جنس من أجناس، المعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن.
وهذا قول أكثر أهل التأويل جعلوا (من) هاهنا تبيينًا للجنس. وعلى هذا الرجس: الوثن، سمي رجسًا كما سمي عبادتها رجسًا في القول الأول. وليس الرجس في هذه الآية من القذارة والاستقذار في شيء.
وقال المبرد: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} والأوثان كلها رجس، وتأويله - والله أعلم: فاجتنبوا الرجس المضاف إلى هذا الاسم، كما قال - عز وجل - في وصف أصحاب نبيه - صلى الله عليه وسلم - {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29] وكلهم مؤمن، ولكن تأويله - والله أعلم -: المضافين إلى هذا الوصف. قال: ومن ذلك قول سيبويه في أول كتابه: هذا باب علم ما الكلم من العربية، أي: ما الكلم المضاف إلى هذه اللغة التي يقال لها العربية؛ لأن الكلم بعضها، كما أن الرجس ليس بعض الأوثان. انتهى كلامه.
وهذا هو معنى ما ذكره الزجاج.
قوله تعالى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} الزور: الباطل والكذب.
واختلفوا في معنى قول الزور - هاهنا - فذهب قوم إلى أنه الشرك بالله. وهو أن أهل الجاهلية كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك يريدون الصنم.
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد قولهم: الملائكة بنات الله. وروى خريم بن فاتك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام خطيبًا، فقال:"عدلت شهادة الزور بالشرك بالله". مرتين، ثم قرأ هذه الآية. يريد أنه قد جمع في النهي بين عبادة الوثن وشهادة الزور.