وجاءت خطابا للرسول في قوله تعالى: {أَلم يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى - وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى - وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} . ودلالة هذا الاستعمال الملائمة لسياق النبوة هي إزالة فقر النفس، أو ملازمة الفقر إلى رحمة الله تعالى وصولا إلى الغنى بها.فهذه الدلالة العرفانية هي ـ وحدها ـ ما يتلاءم مع شخص الرسول صلى الله عليه وسلم. وقيل فيه فقيرا.
وبعد، فإن (عائلا) تعيل دلالة أُخري هي حمل هموم الإنسان، ومحاولة التغيير والسخط على الواقع الاجتماعي الذي كان عليه القوم إبان الدعوة. وفيها معنى (( تعول أقواما بالعلم فأغناهم بك ) ). ولا يخفى حس الدعاء في هذا اللفظ فيكون غناه بالاستجابة والرضا.
والملحظ البياني الذي يلتفت إليه في استعمال ألفاظ الفقر في النظام القرآني أن ثمة إقتارنا دلاليا بين هذه الألفاظ وفعل الإطعام، فإن هذا المقترن الدلالي يظهر على غيره من الألفاظ متلازما دلاليا مع ألفاظ الفقر مثلما اتضح في الآيات محل البحث، فعجيب إصرار الخطاب الإلهي على دوال الطعام (طعام / إطعام / أطعموا / نطعم / يطعمون) في سياق الفقر، فجاءت (14 مرة) والأعجب أنها ساوت ألفاظ الفقر في الأداء القرآني، وكأن ذلك يشير إلى ان كل فقير سيناله شيء من طعام، فطعامه موجود إلى جنبه، وما يعوزه إلاَّ مطعم أو من يحض على طعام الفقير.
ويبدو أن هيمنة المتلازم الدلالي هذا (لفظ الطعام) تنبه على إحاطة بتربية نفسية ودرس أخلاقي كبير يهذب نفس الغني ويحفظ انكسار نفس الفقير. وأكبر من هذا ان القرآن الكريم ينزل الفقير منزلة الضيف يحرصه على استعمال لفظ الطعام معه، فيشير بذلك إلى ممارسة الإطعام وحسنه، و إلى الخدمة والقيام على إطعام هؤلاء إكراماً، فيجير مشاعرهم ويدفع الجو النفسي المؤلم الذي يصحب المسألة.