وَالْعَرَبُ تَقُولُ: مَا ثَبَرَكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ: أَيْ مَا مَنَعَكَ مِنْهُ، وَمَا صَدَّكَ عَنْهُ؟ وَثَبَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ يَثْبُرُهُ وَيُثْبِرُهُ لُغَتَانٍ، وَرَجُلٌ مَثْبُورٌ: مَحْبُوسٌ عَنِ الْخَيْرَاتِ هَالِكٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الخفيف]
إِذْ أُجَارِي الشَّيْطَانَ فِي سَنَنِ الْغَيِّ ... وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَغْلُوبًا
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ هَالِكًا
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: إِنِّي لَأَظُنُّكَ مُبَدِّلًا مُغَيِّرًا
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: مَخْبُولًا لَا عَقْلَ لَهُ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْإِنْسَانُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقْلٌ فَمَا يَنْفَعُهُ؟ يَعْنِي: إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقْلٌ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي دِينِهِ وَمَعَاشِهِ دَعَتْهُ الْعَرَبُ مَثْبُورًا.
قَالَ: أَظُنُّكَ لَيْسَ لَكَ عَقْلٌ يَا فِرْعَوْنُ، قَالَ: بَيْنَا هُوَ يَخَافُهُ وَلَا يَنْطِقُ لِسَانِي أَنْ أَقُولَ هَذَا لِفِرْعَوْنَ، فَلَمَّا شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ، اجْتَرَأَ أَنْ يَقُولَ لَهُ فَوْقَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَبْلَ.
الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَرَادَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَسْتَفِزَّ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْأَرْضِ {فَأَغْرَقْنَاهُ} فِي الْبَحْرِ {وَمَنْ مَعَهُ} مِنْ جُنْدِهِ {جَمِيعًا} . وَنَجَّيْنَا مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقُلْنَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ هَلَاكِ فِرْعَوْنَ {اسْكُنُوا الْأَرْضَ} أَرْضَ الشَّامِ {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا}