16 -ثم بين كيف يقع العذاب بعد بعثة الرسل، فقال: {وَإِذا أَرَدْنا} ؛ أي: وإذا دنا وقت تعلق إرادتنا بإهلاك قرية بعذاب الاستئصال أَمَرْنا على لسان الرسول المبعوث إلى أهلها {مُتْرَفِيها} أي منعميها ورؤسائها وكبارها وملوكها بالأعمال الصالحة، وهي الإيمان والطاعة، والمترف كمكرم من أبطرته النعمة، وسعة العيش والترفة بالضم النعمة والطّعام الطيّب، وخصهم بالذكر مع توجّه الأمر إلى الكل؛ لأنهم الأصول في الخطاب، والباقي أتباع لهم، وقرأ الجمهور {أَمَرْنا} من الأمر الذي هو ضد النهي، وقرأ علي بن أبي طالب، وابن أبي إسحاق، وأبو رجاء وعيسى بن عمر، وسلّام، وعبد الله بن أبي يزيد، والكلبي {آمرنا} بالمد، وجاء كذلك عن ابن عباس، والحسن، وقتادة وأبي العالية، وابن هرمز، وعاصم، وابن كثير، وأبي عمرو، ونافع، وهو اختيار يعقوب، ومعناه: كثّرنا يقال: أمر الله القوم، وآمرهم، ومعنى {آمرنا} مترفيها: أي كثّرنا أغنياءها، وفساقها، وقرأ ابن عباس، وأبو عثمان النهدي السدي، وزيد بن علي، وأبو العالية {أمّرنا} بتشديد الميم، وروي ذلك عن علي، والحسن، والباقر، وعاصم، وأبي عمرو ومعناه جعلنا جبابرتها وفسّاقها أمراء.
{فَفَسَقُوا} ؛ أي: فخرجوا عما أمرهم الله تعالى به من الإيمان والطاعة، وعملوا المعاصي {فِيها} ، أي: في تلك القرية {فَحَقَّ} ؛ أي فوجب، وثبت {عَلَيْهَا} ؛ أي: على أهل تلك القرية. {الْقَوْلُ} بالعذاب، أي: ثبت عليهم قضاؤنا بالعذاب، وتحقق موجبه بحلول العذاب بهم، إثر ما ظهر فسقهم وطغيانهم، والقول الذي حق عليهم هو وعيد الله الذي قاله رسولهم، وقيل: القول هو {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} وهؤلاء في النار، ولا أبالي. ذكره في «البحر» .
والمعنى: أي فثبت عليها ما توعدناهم به على لسان رسولنا من الإهلاك {فَدَمَّرْناها} بتدمير أهلها، وتخريب ديارها {تَدْمِيرًا} ، والتدمير: الإهلاك مع طمس الأثر، وهدم البناء، والمعنى: فأهلكناها إهلاك الاستئصال كفاء فسقهم، وطغيانهم، وبطرهم إهلاكًا عظيمًا، لا يوقف على كنهه لشدته وعظم موقعه.