والمعنى: يقال لكل إِنسان بعد أن يجد كتابه منشورا مسجلا فيه عمله اقرأ كتابك كفى بنفسك حاسبا عليك سيئاتك، وحاسبا لك حسناتك، فكل ذلك واضح مسطور في الكتاب، كما قال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} وكما ترى المجرمين مشفقين مما فيه ترى الصالحين مستبشرين فرحين بما فيه كما تقدم بيانه.
والآية ظاهرة في أَن كل مكلف يستطيع قراءة كتابه وإن لم يكن في دنياه قارئا، ولهذا كلف الله كل إِنسان بقراءة كتابه، قال قتادة: يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن قارئا في الدنيا، ومن العلماء من فسر كتاب الإنسان بنفسه، فإن ما يصدر عنه من خير أو شر يطبع في نفسه وينقش في روحه، وهي في دنياها مشغولة بواردات الحواس المتجددة مشغولة عن هذه الآثار المنقوشة فيها والثابتة على صفحتها، فإذا انقطعت علاقتها بتلك الحواس قامت قيامة الإنسان، وأدرك كل ما صدر عنه من خير وشر منقوشا وثابتا في نفسه وروحه، بعد أن انكشف عنها الغطاءُ بالموت الجسدى، وكما يظهر ذلك من نفسه عقب موته، يظهر له منها في ساحة القيامة يوم النشور، فيقال له حينئذ: اقرأ كتاب نفسك واذكر أعمالك، كفى بنفسك مُحاسِبة لك بما ثبت فيها من عملك، ومعلوم أَن العبد إذا مات قامت قيامته الصغرى وأحسّ من نفسه بمصيره الذي ينتظره، فإذا بعث قامت قيامته الكبرى وكان الحساب والجزاءُ.
ويقرب هذا المعنى للذهن أن الإنسان بدواعي المعاني يتذكر في دنياه أمورا مضى عليها عشرات السنين، وذلك ناشئ من انطباع صور الحوادث في نفسه.
15 - {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} :