وهذه الحلقة من سيرة بني إسرائيل لا تذكر في القرآن إلا في هذه السورة. وهي تتضمن نهاية بني إسرائيل التي صاروا إليها ؛ ودالت دولتهم بها. وتكشف عن العلاقة المباشرة بين مصارع الأمم وفشو الفساد فيها ، وفاقاً لسنة الله التي ستذكر بعد قليل في السورة ذاتها. وذلك أنه إذا قدر الله الهلاك لقرية جعل إفساد المترفين فيها سبباً لهلاكها وتدميرها.
ويبدأ الحديث في هذه الحلقة بذكر كتاب موسى التوراة وما اشتمل عليه من إنذار لبني إسرائيل وتذكير لهم بجدهم الأكبر نوح العبد الشكور ، وآبائهم الأولين الذين حملوا معه في السفينة ، ولم يحمل معه إلا المؤمنون:
{وآتينا موسى الكتاب ، وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلاً ، ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً} ..
ذلك الإنذار وهذا التذكير مصداق لوعد الله الذي يتضمنه سياق السورة كذلك بعد قليل. وذلك إلا يعذب الله قوماً حتى يبعث إليهم رسولاً ينذرهم ويذكرهم.
وقد نص على القصد الأول من إيتاء موسى الكتاب: {هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلاً} فلا يعتمدوا إلا على الله وحده ، ولا يتجهوا إلا إلى الله وحده. فهذا هو الهدى ، وهذا هو الإيمان. فما آمن ولا اهتدى من اتخذ من دون الله وكيلاً.
ولقد خاطبهم باسم آبائهم الذين حملهم مع نوح ، وهم خلاصة البشرية على عهد الرسول الأول في الأرض. خاطبهم بهذا النسب ليذكرهم باستخلاص الله لآبائهم الأولين ، مع نوح العبد الشكور ، وليردهم إلى هذا النسب المؤمن العريق.
ووصف نوحاً بالعبودية لهذا المعنى ولمعنى آخر ، هو تنسيق صفة الرسل المختارين وإبرازها. وقد وصف بها محمداً صلى الله عليه وسلم من قبل. على طريقة التناسق القرآنية في جو السورة وسياقها.