فالسنة مثلاً إن وقع النظر إليها من حيث عدد أيامها فذلك هو العدد، وإن وقع النظر إليها من حيث تحققها وتحصلها من عدة أشهر قد تحصل كل شهر من عدة أيام قد تحصل كل يوم من عدة ساعات قد تحصلت كل ساعة من عدة دقائق فذلك هو الحساب. ولو كانا مثلين لما عرف الليل من النهار ولا استراح حراص المكتسبين والتجار ولتعطلت الأمور ولم يدر الصائم متى يفطر ولم يعرف وقت الحج والصوم والصلاة ولا وقت الزراعة ولا وقت حلول الديون المؤجلة وقال الكرخي لا تكرار إذ العدد موضوع الحساب.
(وكل شيء فصلناه تفصيلاً) أي كل ما تفتقرون إليه في أمر دينكم ودنياكم بيناه تبييناً واضحاً لا يلتبس فهو كقوله (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وقوله (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) وإنما ذكر المصدر وهو قوله (تفصيلاً) لأجل تأكيد الكلام وتقريره فكأنه قال فصلناه حقاً على الوجه الذي لا مزيد عليه وعند ذلك تنزاح العلل وتزول الأعذار ليهلك من هلك عن بينة ولهذا قال:
وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17)