فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الْأُولَى: فَهِيَ الْمَشْهُورَةُ ، وَمَعْنَاهُ أَمَرْنَاهُمْ بِالْعَدْلِ ، فَخَالَفُوا ، فَفَسَقُوا بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ، فَهَلَكُوا بِالْكَلِمَةِ السَّابِقَةِ الْحَاقَّةِ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ: بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ: فَهِيَ قِرَاءَةُ عَلِيٍّ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَأَبِي عَمْرٍو ، وَأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، وَمَعْنَاهُ كَثَّرْنَاهُمْ ، وَالْكَثْرَةُ إلَى التَّخْلِيطِ أَقْرَبُ عَادَةً.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْمَدِّ فِي الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ فَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ ، وَالْأَعْرَجِ ، وَخَارِجَةَ عَنْ نَافِعٍ.
وَيَكُونُ مَعْنَاهُ الْكَثْرَةُ ؛ فَإِنَّ أَفْعَلَ وَفَعَّلَ يُنْظَرَانِ فِي التَّصْرِيفِ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْإِمَارَةِ ، أَيْ جَعَلْنَاهُمْ أُمَرَاءَ ، فَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ مِنْ جَعْلِهِمْ وُلَاةً فَيَلْزَمُهُمْ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ، فَيُقَصِّرُونَ فِيهِ فَيَهْلِكُونَ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ دَارًا وَعِيَالًا وَخَادِمًا فَهُوَ مَلَكٌ وَأَمِيرٌ ، فَإِذَا صَلُحَتْ أَحْوَالُهُمْ أَقْبَلُوا عَلَى الدُّنْيَا وَآثَرُوهَا عَلَى الْآخِرَةِ فَهَلَكُوا ، وَمِنْهُ الْأَثَرُ: {خَيْرُ الْمَالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ وَمُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ} : أَيْ كَثِيرَةُ النَّتَاجِ ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُهُ: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا} .
أَيْ عَظِيمًا.
وَالْقَوْلُ فِيهَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ مُتَقَارِبٌ مُتَدَاخِلٌ ؛ وَقَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ بِمَا يُغْنِي عَنْ
إعَادَتِهِ.