وهذا جزاء أهل الآخرة الذين يعملون لها ، ومعلوم أن الشكر يكون لله استدراراً لمزيد نِعَمه ، كما قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ..} [إبراهيم: 7]
فما بالك إنْ كان الشاكر هو الله تعالى ، يشكر عبده على طاعته؟
وهذا يدل على أن العمل الإيماني يُصادف شُكْراً حتى من المخالف له ، فاللص مثلاً إنْ كان لديه شيء نفيس يخاف عليه ، فهل يضعه أمانة عند لصٍّ مثله ، أم عند الأمين الذي يحفظه؟
فاللصّ لا يحترم اللص ، ولا يثق فيه ، في حين يحترم الأمين مع أنه مخالف له ، وكذلك الكذاب يحترم الصادق ، والخائن يحترم الأمين.
ومن هنا كان كفار مكة رغم عدائهم للنبي صلى الله عليه وسلم وكفرهم بما جاء به إلا أنهم كانوا يأتمنونه على الغالي والنفيس عندهم ؛ لأنهم واثقون من أمانته ، ويلقبونه"بالأمين"، رغم ما بينهما من خلاف عقديّ جوهري ، فهم فعلاً يكذبونه ، أما عند حفْظ الأمانات فلن يغشُّوا أنفسهم ، لأن الأحفظ لأماناتهم محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد ضربنا لذلك مثلاً بشاهد الزور الذي تستعين بشهادته ليُخرجك من ورطة ، أو قضية ، فرغم أنه قضى لك حاجتك وأخرجك من ورطتك ، إلا أنه قد سقط من نظرك ، ولم يعُدْ أهلاً لثقتك فيما بعد.
لذلك قالوا: مَنِ استعان بك في نقيصة فقد سقطْتَ من نظره ، وإنْ أعنْتَه على أمره كشاهد الزور ترتفع الرأس على الخصم بشهادته وتدوس القدم على كرامته.
ثم يقول الحق سبحانه عن كلا الفريقين: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ...} .