وأضاف الرب إلى ضمير المخاطب، وهو النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لتشريفه بهذه الإضافة. ولما تشرف بهذه الإضافة الربانية - والرب جل جلاله قد مضى في وصفه في الآية أنه عام الرحمة والنعمة والنوال؛ فمن شكر نعمة هذا الشرف أن يتخلق العبد - وهو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بما هومن مقتضى وصف ربه.
هذا من فوائد هذه الإضافة في هذا المقام.
وقد كان - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - رحمة للعالمين، شديد الشفقة على الخلق أجمعين حريصاً على هدايتهم إلى الصراط المستقيم، حتى خاطبه ربه بقوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3] . أي قاتل نفسك غماً لعدم إيمانهم
وكان أساس شرعه على العدل والإحسان: العدل مع كل أحد، والإحسان إلى كل شيء، فقال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} [المائدة: 8] . أي لا يحملنكم بغض قوم على عدم العدل فيهم - وقال صلى الله عليهم وآله وسلم: «ان الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة
ولما كان هو عليه الصلاة والسلام قدوتنا، فنحن مخاطبون بأن نكون مثله في عموم رحمته
وشفقته وعدله وبره وإحسانه: نفعل الخير عاماً كما تعم خيرات الله تعالى العباد، نفعله لأنه خير نستطعم لذته، غير منتظرين جزاءه إلاّ من الله؛ لأن من انتظر الجزاء من الناس في هذه الحياة لا بد أن يميل بخيره عن جهة إلى جهة، وربما يكون في ميله قد أخطأ وجه الصواب، ولا بد أيضاً أن ييأس فيفتر (1) في العمل، أو ينقطع عنه عندما يرى عدم المكافأة من الناس وعدم ظهور أثر خيره في الحياة، وأبناء الحياة.
وقد أفادت الآية - حسبما تقدم - أن أسباب الحياة والعمران والتقدم فيهما مبذولة للخلق على السواء، وأن من تمسك بسبب بلغ - بإذن الله - إلى مسببه، سواء أكان براً أو فاجراً، مؤمناً أو كافراً.
وهذا الذي أفادته الآية الكريمة مشاهد في تاريخ المسلمين قديماً وحديثاً:
فقد تقدموا حتى سادوا العالم، ورفعوا علم المدنية الحقة بالعلوم والصنائع لما أخذوا بأسبابها كما يأمرهم دينهم.