وأُطْلِقَ اسمُ الصَّلاةِ على الفاتِحَةِ لِكَوْنِها المَقْصودَ الأَعْظَم؛ كما أُطلقَ الحَجُّ في قوله:"الحَج عَرَفَةُ"، والحديثُ الذي أَخَذَ به أبو حنيفةَ مُطْلَقٌ، والمقيَّدُ يقدَّمُ على المُطْلَقِ، فيلزمُ حينئذٍ أَنَّ المتيسِّرَ معَ الرجلِ إمَّا الفاتِحَةُ؛ كَما هوَ الغالِبُ على العامَّةِ، أو الواجبُ عليهِ أن يأتيَ بما تَيَسَّرَ معهُ في هذِه الحالَةِ، وذلكَ جائزٌ عندَ العَجْزِ عن الفاتِحَةِ، وهذا التأويلُ متعيِّنٌ؛ لِما روى أبو هُريرةَ - رضيَ اللهُ عنهُ -: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:"لا تُجْزِىُء صَلاةٌ لا يُقْرَأُ فيها بِفاتِحَةِ الكتاب".
ومعنى قوله تعالى: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] ما روينا في"صحيح البخاري"و"مسلم"أيضًا عن أبي هُريرةَ - رضي اللهُ تَعالى عنه - قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:"تَفْضُلُ صلاةُ الجماعَةِ صلاةَ أحَدِكُمْ بِخَمْسٍ وعِشرينَ جُزْءًا، وتَجْتَمعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ في صَلاةِ"
الفَجْرِ"، ثم يقولُ أبو هريرةَ: فاقرؤوا إنْ شِئْتُمْ: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] ."
191 - (6) قوله عَزَّ وجَلَّ: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79] .
يحتملُ أنَّ معنى {نَافِلَةً لَكَ} أي: زيادةً على الفرضِ الذي أُمِرْتَ به، وأنه صارَ نافلةً بعدَ أنْ كانَ حَتْمًا، فعلى هذا تَدْخُلُ أُمَّتُه معهُ في الخِطاب، وإلى هذا ذهبتِ الشافعيةُ.
ويحتملُ أن يكونَ الخطابُ خاصًّا به، وأن معنى {نَافِلَةً لَّكَ} أي: فُرِضَ عليكَ خاصَّةً زِيادةً على أُمَّتِك، وبهذا فسرَها ابنُ عباسٍ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهما - ، وإليه ذهب المالكية.
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في آخرِ الكتابِ كلامٌ متعلق بهاتين الآيتين. انتهى انتهى. {تيسير البيان لأحكام القرآن، لابن نور الدين اليمني} ...