وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: (مِنَ الْمُحْسِنِينَ) لَنَا إِنْ فَسَّرْتَهُ، كَمَا يَقُولُ: افْعَلْ كَذَا وَأَنْتَ مُحْسِنٌ.
(وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ(42)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ)
(ظَنَّ) هُنَا بِمَعْنَى أَيْقَنَ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ وَفَسَّرَهُ قَتَادَةُ عَلَى الظَّنِّ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْيَقِينِ، قَالَ: إِنَّمَا ظَنَّ يُوسُفُ نَجَاتَهُ لِأَنَّ الْعَابِرَ يَظُنُّ ظَنَّا وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَشْبَهُ بِحَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنَّ مَا قَالَهُ لِلْفَتَيَيْنِ فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا كَانَ عَنْ وَحْيٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ظَنًّا فِي حُكْمِ النَّاسِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ حُكْمَهُمْ حَقٌّ كَيْفَمَا وَقَعَ.
* قَوْلُهُ تَعَالَى: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) أَيْ سَيِّدِكَ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ لِلسَّيِّدِ رَبٌّ، قَالَ الْأَعْشَى:
رَبِّي كَرِيمٌ لَا يُكَدِّرُ نِعْمَةً ... وَإِذَا تُنُوشِدَ فِي المهارق أَنْشَدَا
أَيِ اذْكُرْ مَا رَأَيْتَهُ، وَمَا أَنَا عَلَيْهِ مِنْ عِبَارَةِ الرُّؤْيَا لِلْمَلِكِ، وَأَخْبِرْهُ أَنِّي مَظْلُومٌ مَحْبُوسٌ بِلَا ذَنْبٍ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا يَقُلْ أحدكم اسق ربك أطعم ربك وضي رَبّكَ وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ رَبِّي وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلَايَ وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ فَتَاتِي غُلَامِي) .
وَفِي الْقُرْآنِ: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) (إلى ربك) (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ) [يوسف: 23] أَيْ صَاحِبِي، يَعْنِي الْعَزِيزَ.
وَيُقَالُ لِكُلِّ مَنْ قام بإصلاح شيء وَإِتْمَامِهِ: قَدْ رَبَّهُ يَرُبُّهُ، فَهُوَ رَبٌّ لَهُ.