وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ (مِنْ قُبُلُ) بِضَمِّ الْقَافِ وَالْبَاءِ وَاللَّامِ، وَكَذَا (دُبُرُ) قَالَ الزَّجَّاجُ: يَجْعَلُهُمَا غَايَتَيْنِ كَقَبْلُ وَبَعْدُ، كَأَنَّهُ قَالَ: مِنْ قُبُلِهِ وَمِنْ دُبُرِهِ، فَلَمَّا حَذَفَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ - وَهُوَ مُرَادٌ - صَارَ الْمُضَافُ غَايَةَ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ غَايَةً لَهُ.
وَيَجُوزُ (مِنْ قُبُلَ) (وَمِنْ دُبُرَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَاللَّامِ تَشْبِيهًا بِمَا لَا يَنْصَرِفُ، لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ وَمُزَالٌ عَنْ بَابِهِ.
(إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)
وَإِنَّمَا قَالَ (عَظِيمٌ) لِعِظَمِ فِتْنَتِهِنَّ وَاحْتِيَالِهِنَّ فِي التَّخَلُّصِ مِنْ وَرْطَتِهِنَّ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ كَيْدَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ:(إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً) [النساء: 76] وَقَالَ: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)
الْقَائِلُ هَذَا هُوَ الشَّاهِدُ.
وَ (يُوسُفُ) نِدَاءٌ مُفْرَدٌ، أَيْ يَا يُوسُفُ، فَحُذِفَ.
(أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) أَيْ لَا تَذْكُرُهُ لِأَحَدٍ وَاكْتُمْهُ.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ: وَأَنْتَ (اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) يَقُولُ: اسْتَغْفِرِي زَوْجَكِ مِنْ ذَنْبِكِ لَا يُعَاقِبْكِ.
(إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ) وَلَمْ يَقُلْ مِنَ الْخَاطِئَاتِ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْإِخْبَارَ عَنِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، فَغَلَّبَ الْمُذَكَّرَ، وَالْمَعْنَى: مِنَ النَّاسِ الْخَاطِئِينَ، أَوْ مِنَ الْقَوْمِ الْخَاطِئِينَ، مِثْلُ: (إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ) [النمل: 43] (وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ) [التحريم: 12] .
وَقِيلَ: إِنَّ الْقَائِلَ لِيُوسُفَ أَعْرِضْ وَلَهَا اسْتَغْفِرِي زَوْجُهَا الْمَلِكُ، وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَيُورًا، فَلِذَلِكَ، كَانَ سَاكِنًا.
وَعَدَمُ الْغَيْرَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ مَوْجُودٌ.