هذه السورة أحبتي الكرام ترتبط مع ما قبلها من سورة التوبة برباطٍ وثيق، وأعتذر عن الخطأ الذي جرى في عقد المناسبة بين سورة التوبة في الخطبة السابقة وقلت بين سورة هود، وأسأل الله تعالى أن يعفو عن خطئنا، لكن السورة التالية بعدها كما تعلمون هي سورة يونس، وبينهما تناسبٌ عجيب، ذلك أن الله تعالى قال في آخر سورة براءة:"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" [التوبة: 128] ، امتنانٌ من الله بالنعمة المهداة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أن كان هو رسول هذه الأمة بصفاته العظيمة وببشريته الكاملة، في أول سورة يونس في الآية الثالثة منها"أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ" [يونس: 2] ، كأن سورة التوبة تُسْلم القارئ إلى سورة يونس، امتنانٌ بالرسول عليه الصلاة والسلام، وأول سورة يونس يقول الله فيها"أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا" [يونس: 2] يعني أي أن الناس تعجبوا أن يأتي القرآن والوحي على رجل منهم، ولا يصلح غير ذلك، ما كان صالحاً أن يبعث الله لهم رسولاً من الملائكة، ولا رسولاً من الجن، إنما الحكمة البالغة الرشيدة أن يكون رسول البشر بشراً مثلهم"قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" [الكهف: 110] ، وهناك شبهٌ بين آخر سورة التوبة وآخر سورة يونس، فإن في آخر سورة التوبة"فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ" [التوبة: 129] ، وفي آخر سورة يونس يقول الله تعالى"قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ" [يونس: 108] ، إذاً رسولٌ من أنفسكم هو الحق، ومعه الحق"قَدْ جَاءَكُمُ"