ثم أخبر عن وجود ترك التكلف في التخلف بقوله تعالى: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ} [التوبة: 120] الآيتين: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ} مدينة القالب وأهلها النفس والهوى والقلب، {وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الْأَعْرَابِ} أعراب الصفات النفسانية والقلبية، {أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ} رسول الروح؛ إذ هو راجع إلى الله وسائر إليه، {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} [التوبة: 120] عن بذل وجودهم عند بذل وجوده بالفناء في الله، {ذلك بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} [التوبة: 120] من ماء الشهوات، {وَلاَ نَصَبٌ} [التوبة: 120] من أنواع المجاهدات، {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} [التوبة: 120] بترك اللذات وطعام الدنيا، {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 120] في طلب الله، {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً} [التوبة: 120] مقاماً من مقامات الفناء، {يَغِيظُ الْكُفَّارَ} [التوبة: 120] النفس والهوى، {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ} [التوبة: 120] الشيطان والدنيا والنفس.
{نَّيْلاً} [التوبة: 120] أي: نيلاً ومحنة وفقراً وفاقة وجهراً وحزناً، وغير ذلك من أسباب الفناء، {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: 120] من البقاء بالله بعد الفناء في الله، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة: 120] الفانين في الله فيبقيهم بالله ليعبدوه به على المشاهدة؛ لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.